أ- مشى أبوبكر رضي لله عنه مع أسامة رضي لله عنه، وهو راكب وقد كان ابن عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة، وكان الصديق رضي لله عنه قد تجاوز ستين سنة من عمره وأصر على المشي مع أسامة رضي لله عنه، كما أصر على بقاء أسامة رضي لله عنه راكبًا لما طلب منه أسامة رضي لله عنه إما أن يركب هو، أو يأذن له بالنزول؛ فلم يوافق رضي لله عنه لا على هذا ولا على ذاك، وبهذا قدّم رضي لله عنه باستمراره في مشيه ذلك دعوة لجيش أسامة رضي لله عنه الى الاعتراف بإمارة أسامة رضي لله عنه، ورفع الحرج عنها من صدورهم، وكأن الصديق رضي لله عنه بمشيه ذلك يخاطب الجيش فيقول: انظروا أيها المسلمون أنا أبوبكر رغم كوني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشي مع أسامة وهو راكب إقرارًا وتقديرًا لإمارته حيث أمره رسولنا الكريم إمامنا الأعظم وقائدنا الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه، فكيف تجرّأتم أنتم على الانتقاد على إمارته [1] .
ب- كان أبوبكر الصديق يرغب في بقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالمدينة نظرًا لحاجته إليه. لكنه لم يأمره بذلك، بل استأذن من أسامة رضي لله عنه في تركه إياه بالمدينة إن رأى هو ذلك مناسبًا وبهذا قدّم الصديق رضي لله عنه صورة تطبيقية اخرى لاعترافه واحترامه لإمارة أسامة رضي لله عنه، وفيها بلا شك دعوة قوية للجيش الى الإقرار والانقياد لإمارته.
وهذا الذي اهتم به الصديق رضي لله عنه من جعل دعوته مقرونة بالعمل هو الذي أمر به الاسلام، ووبّخ الرب عز وجل أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم [2] ، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (سورة البقرة، الآية:44) .
(1) قصة بعث ابي بكر جيش أسامة، ص66.
(2) نفس المصدر، ص66.