ومضى طليحة، حتى، نزل كلب [1] على النَّقع، فأسلم ولم يزل مقيمًا في كلب حتى مات أبو بكر، وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسدًا، وغطفان، وعامرًا قد أسلموا، ثم خرج نحو مكة معتمرًا في إمارة أبي بكر، ومرّ بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به! خلوا عنه، فقد هداه الله للإسلام [2] وقد جاء عند ابن كثير: وأما طليحة فإنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضًا وذهب إلى مكة معتمرًا أيام الصديق واستحيَ أن يواجهه مدة حياته، وقد منع الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام ويحتمل أن يكون ذلك من باب الاحتياط لأمر الأمة، لأن من كان له سوابق في الضلال والكيد للمسلمين لايُؤمن أن يكون رجوعه من باب الاستسلام لقوة المسلمين فأبوبكر رضي لله عنه من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم فهو لذلك يأخذ بمبدأ الاحتياط لما فيه صالح الأمة، وإن كان في ذلك وضع من شأن بعض الأفراد [3] وهذا درس عظيم تتعلمه الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإلحاد ثم ظهر منهم العودة إلى الالتزام بالدين.
إن وضع الثقة الكاملة بهؤلاء وإسناد الأعمال القيادية لهم قد جرَّ على الأمة أحيانًا ويلات كثيرة وأوصلها إلى مآزق خطيرة، على أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لايعني اتهامهم في دينهم ولانزع الثقة منهم بالكلية، وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال هؤلاء [4] .
(1) أي نزل في قبيلة كلب.
(2) التاريخ الاسلامي (9/59) .
(3) التاريخ الاسلامي (9/67) .
(4) نفس المصدر (9/67) .