فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 582

وقد قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى الى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة [1] ، وأبوبكر في هذا الشأن أكثر اطلاعًا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة، لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار، كما أنه أرجح إيمانًا منهم، وهو في معاملته لخالد يحتذي على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنه عليه الصلاة والسلام، لم يعزل خالدًا عما ولاه في الوقت الذي كان يقع منه ماقد لايرتاح له، وكان يعذره إذ يعتذر، ويقول: لاتؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار [2] .

إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به، لأنه كان شديدًا لليعتدل به أمره، ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسده، ومجرد الشدة تفسده، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برَّز بها على عمر وغيره فجعل الله فيه الشدة مالم يكن فيه قبل ذلك، وأما عمر فكان شديدًا في نفسه، فكان من كماله -في خلافته- استعانته باللين ليعتدل أمره -فكان يستعين بأبي عبيدة ابن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله، وقد جعل الله في عمر من الرأفة -بعد الخلافة- مالم يكن فيه قبل ذلك، تكميلًا له، حتى صار أمير المؤمنين [3] .

(1) الخلافة والخلفاء الراشدون للبهنساوي، ص112؛ الخلفاء الراشدون للنجار، ص58.

(2) فتح الباري (7/101) .

(3) ابوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، ص193، 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت