بعد وفاة رسول صلى الله عليه وسلم اختلطت الأمور ببعضها وسارعت الأعراب الى الردة، فكان منهم المؤلفة قلوبهم، أو من المنافقين، أو الذين أسلموا رغم أنوفهم وفي وقت متأخر، أو من الذين لم يسلموا أصلًا، ومن أمثلة الصنفين الأولين، إسلام عيينة بن حصن الفزاري الذي أسلم إسلامًا فيه دخن كبير، ولذا ماإن هبت نار الفتنة حتى استجاب لها، وباع دينه بدنيا طليحة الأسدي ولما أسر وبعث الى أبي بكر مقيدًا بالأغلال، كان فتيان المدينة يمرون عليه فينخسونه بالجريد ويقولون: أي عدو الله! أكفرت بعد إيمانك؟! فيقول والله ماكنت آمنت بالله قط [1] ، ومن هؤلاء الذين يقال: إنهم لم يسلموا أصلًا قبيلة عنس اليمنية. وهي قبيلة الطاغية الأسود الذي ادعى النبوة، وفعل في بلاد اليمن الأفاعيل، ونكل بالمسلمين، ومن أمثلة سوء الفهم لنصوص الاسلام التي أدت بهؤلاء الى الكفر أن بعضًا منهم أنكر الزكاة محتجًا بمدلول قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (سورة التوبة، الآية: 103) .
فقد جاء في التعليق على هذه الآية في تفسير ابن كثير رحمه الله قوله: (اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفعها الى الإمام لايكون، وإنما كان هذا خاصًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد احتجوا بقوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وقد رد عليهم هذا التأويل(السقيم) والفهم الفاسد أبوبكر وسائر الصحابة (رضوان الله عليهم) وقاتلوهم حتى أدوها الى الخليفة، كما كانوا يؤدونها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم) [2] .
(1) تاريخ الطبري (3/260) ؛ حركة الردة، ص114.
(2) تفسير ابن كثير (2/386) طبعة الحلبي.