بل إن مسيلمة يعرف كذب نفسه، فلما كانت معركة اليمامة وبدت الغلبة للمسلمين قال له أصحابه محنقين عليه: أين ماكنت تعدنا به من النصر والآيات؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم، فأما الدين فلا دين [1] ، واختلطت عليهم التصورات والأفكار، والسلوكيات والآمال وعمل المرتدون على إنهاء الاسلام ومحيه من الوجود وتكالبت قوى الشر على ذلك ولكن محاولاتهم باءت بالفشل وأحبطت جميعها بتوحد المسلمين وتجمعهم وتكتلهم حول القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي التي تربت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبحت تشبه القطب المغناطيسي الضخم الذي قام -بحكم طبيعته وخصائصه- بجذب كل من كان مؤهلًا للإسلام، ويحمل خاصية الانجذاب الى هذا القطب المغناطيسي الضخم الفعال، فقد أدى هذا التجمع الى إظهار قوة الاسلام، ليس بكثرة العدد والعُدة، وإنما في قوة تفرده تصورًا وفكرًا وسلوكًا في لبناته الصلبة وتربيتها الفذة التي تربت عليها تلك اللبنات مجتمعة، والقوة في وضوح التعامل مع الحدث دون مواربة أو تربيت أو إغماض عين وفتح الاخرى، وإنما كانوا واضحين وضوح عبارة أبي بكر الصديق للمسلمين جميعًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت [2] .
إن من نتائج أحداث الردة حفظ التصور الإسلامي من التحريف والتشويه، وأن تجردت الراية الاسلامية من العصبية الجاهلية، والولاء المختلط، وصارت خالصة من أية شائبة، وأن التصور الاسلامي لايقبل المداهنة مهما كانت الظروف المحيطة، وأن القوة الاسلامية لا ترتبط بالعدد ولا العدة، ولكن بقوة الإيمان والروح المعنوية، وأن الأصل دعوة الناس الى الاسلام، وليس مقاتلتهم، فالدعوة أولًا. وأن الحرص على الناس هو المقدم على كل شيء [3] .
2-ضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع:
(1) نفس المصدر 04/112).
(2) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص323.
(3) نفس المصدر، ص324.