أقام خالد بالفراض عشرة أيام، ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة، وأمر شَجَرة بن الأعزّ أن يسير في الساقة، وأظهر خالد أنه يسير في الساقة ثم انطلق في كوكبة من أصحابه، وقصد شطر المسجد الحرام، وسار إلى مكة في طريق لم يُسْلك قبله قط، وتأتىّ له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفًا على غير جادّة، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة (12هـ) ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الحيرة، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك ايضًا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش [1] ، وأمره بالذهاب إلى الشام وجاء في خطاب الصديق لخالد: أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل مافعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك، ولايدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن وهو ولي الجزاء [2] .
هذا الخطاب الجليل من الخليفة الحكيم رضي لله عنه يصور مدى حرص الصديق رضي لله عنه على القواد الناجحين فيمدهم بالمشورة والنصائح التي تأخذ بيدهم إلى الفوز والتمكين بفضل الله:
أ-يأمر الصديق رضي لله عنه سيف الله خالد أن يترك العراق ويتوجه إلى الشام لعل الله يفتح على يديه هذا الموقع.
ب-ينصحه ألا يعود في مثل ماحدث في حجه بدون إذن من الخليفة.
جـ-يأمره أن يسدد ويقارب ويجتهد مخلصًا النية لله وحده.
هـ-يحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل ويرده في وجهه، كما يحذره أن يدل ويمن على الله بالعمل الذي يعمله فإن الله هو المان به إذ التوفيق بيده سبحانه [3] .
(1) البداية والنهاية (6/357) .
(2) تاريخ الطبري (4/202) .
(3) تاريخ الدعوة الى الاسلام، ص295.