فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 582

كانت السياسة الخارجية للصديق قائمة على بسط لواء العدل على الديار المفتوحة ونشر الأمن والطمأنينة بين أهلها حتى يحس الناس بالفرق بين دولة الحق ودولة الباطل، وحتى لايظن الناس أنه قد ذهب جبار ظالم ليحل مكانه من هو أشد منه أو مثله في ظلمه وجبروته، ووصى أبو بكر قواده بالرحمة والعدل، والإحسان إلى الناس، فإن المغلوب يحتاج إلى الرأفة، وتجنب مايثير فيه حمية القتال، وحافظ المسلمون الفاتحون على الإنسان والعمران فشاهدت الشعوب المفتوحة خلقًا جديدًا في ذوق رفيع، وإنسانية صادقة، فقام ميزان الشريعة بين الأمم المغلوبة بالقسط، وانتشر نور الإسلام فأخذ يعد له مجامع القلوب، فسارعت الشعوب إلى اعتناق هذا الدين والإنضواء تحت لوائه، وكان جند الأعاجم من الفرس أو الروم إذا وطئوا أرضا دنسوها، ونشروا فيها الرعب والفزع وانتهكوا الحرمات مما قاسى منه الناس الويل والثبور وتناقلت الأجيال قصصه المرعبة والمفزعة جيلًا بعد جيل وقبيلًا إثر قبيل فلما جاء الإسلام ودخل جنده هذه الديار، فإذا بالناس يجدون العدل يبسط رداءه فوق رؤوسهم ويعيد إليهم آدميتهم التي انتزعها الظلم والطغيان، وقد حرص الصديق على هذه السياسة حرصا عظيما وكان يقوم أي عوج يظهر أو خطأ يقع روى البيهقي: أن الأعاجم كانوا إذا انتصروا على عدو استباحوا كل شيء من ملك أو أمير وكانوا يحملون رؤوس البشر إلى ملوكهم كبشائر للنصر وإعلان للفخر، فرأى أمراء المسلمين في حروب الروم أن يعاملوهم بنفس معاملتهم، فبعث عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة برأس (بنان) أحد بطارقة الشام إلى أبي بكر مع عُقبة بن عامر فلما قدم عليه أنكر ذلك فقال له عقبة: ياخليفة رسول الله إنهم يصنعون ذلك بنا فقال: أفيستنان بفارس والروم، لايحمل إلي رأس إنما يكفي الكتاب والخبر [1] .

4-رفع الإكراه على الأمم المفتوحة:

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت