بعد الشروع في الأخذ بالأسباب اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعائه: (اللهم أنجز لي ماوعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا) ومازال صلى الله عليه وسلم يدعو ويستغيث حتى سقط رداوه، فأخذه أبوبكر ورده على منكبيه وهو يقول: يارسول الله كفاك مناشدتك ربك فإنه منجر لك ماوعدك) [1] ، وأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} وفي رواية ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (الله انشدك عهد ووعدك، الله إن شئت لم تعبد) فأخذ ابوبكر بيده، فقال: حسبك الله، فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [2] ، وقد خفق النبي صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: ابشر ياأبابكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع) يعني الغبار، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الناس فحرضهم [3] .
وقد تعلم الصديق من هذا الموقف درسًا ربانيًا مهمًا في التجرد النفسي وحظها والخلوص واللجوء لله وحده والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره وبقى هذا المشهد راسخًا في ذاكرة الصديق وقلبه ووجدانه يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في تنفيذه في مثل هذه الساعات، وفي مثل هذه المواطن ويبقى هذا المشهد درسًا لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد يريد أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
(1) مسلم، كتاب الجهاد، باب الامداد بالملائكة ببدر قم 1763 (3/1384) .
(2) البخاري، كتاب المغازي، باب قصة بدر (5/6) رقم 3953.
(3) السيرة النبوية لابن هشام (2/457) نقلًا عن تاريخ الدعوة، ص125.