مكاني هذا"، ثم قال:"بسم الله"وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال:"الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال:"بسم الله"، وضرب ضربةً أخرى فقلع بقية الحجر فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا." [1] "
فما هذه الوعود والبشارات؟ وكيف يتقبلها المسلمون وهم محاصرون جائعون خائفون لا يأمن أحدهم الخروج إلى البراز كما قال بعض أهل النفاق [2] . والجواب أنهم تقبلوها أعني المؤمنين منهم تقبل المؤمن الموقن المصدق بوعد الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها وعود من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. إن هذه الوعود والبشارات في مقام الضيق والابتلاء هذا هي الفيصل إذًا بين أهل الإيمان وأهل النفاق وقد كان، وهي المعين الذي يتزود منه المؤمن في وقت البلاء ليصبر، وفي وقت الرخاء ليشكر وقد كان. فقد صبر المؤمنون في الخندق، ولقد شكر الله لهم وشكروا له، حيث فتحت المدائن والشام وأنفقت كنوزهما في سبيل الله، فطوبى لمن آمن وصدق، وويل لمن كذب ونافق.
إن الثقة بموعود الله عز وجل هي المادة التي يستمد منها المؤمن طاقته ليمضي في مسيرة الدعوة والجهاد غير آبه بما يعترضه من عقبات ومثبطات، وإن هذه الثقة لا تتمحض إلا في حالات الجهد والبلاء التي تميز من كان موقنًا مؤمنًا عمن كان منافقًا مبطنًا لخلاف ما يظهره من الإسلام والاطمئنان إلى وعد الله تعالى، وبهذا تتجلى إحدى أهم النعم التي تضمنها الابتلاء بهذه الغزوة. ويحضرني في هذا المقام موقف مماثل للنبي صلى الله عليه وسلم مع سراقة بن مالك الذي كان يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبًا لجائزة قريش، فلما حُبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيقن أنه سيظهر على قومه طلب منه كتاب أمان، فكتبه له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال سراقة رضي الله عنه:"ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما"
(1) مسند الإمام أحمد - 4/ 303 حديث 18716، وأخرجه النسائي في الكبرى (5/ 269 حديث 8858) ، وقال الحافظ ابن حجر في شرح رواية البخاري:"ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب"، وذكر الحديث (الفتح 8/ 154)
(2) قال الإمام البيهقي:"قال موسى بن عقبة الإسناد الذي تقدم في قصة الخندق:"فلما اشتد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نافق ناسٌ كثير، وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول:"والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء، فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، وأن يدفع الله عز وجل مفاتح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله". فقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد، يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نغنم كنوز فارس والروم، ونحن هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله لما يعدنا إلا غرورًا. (سنن البيهقي - 9/ 31)