الصفحة 20 من 46

يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال:"أخفِ عنا"، فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم" [1] . فتأمل كيف أصبح المطارِد يطلب الأمان من المطارَد، وتأمل مدى طمأنينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر الله، وثقته بموعود الله، وهو المطارَد المهاجر بدينه يكتب كتاب الأمان ولما تقم له دولة الإسلام بعد، ولما تظهر دعوته ويمكَّن لها في الأرض بعد، ولكنها الثقة بالله، فأين نحن اليوم من هذه الثقة!"

ولا نتجاوز هذه المشاهد دون التعريج على معجزة تكثير الطعام لنبين أمرًا مهمًا يتعلق بالصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وما يجب أن يكون عليه أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعدهم؛ فالصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يطلبون المعجزات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا يعجزونه صلوات الله وسلامه عليه بالطلبات التعسفية، بل كانوا يسمعون ويطيعون ويبذلون ما يجدون، ويصبرون على الجهد والبلاء، وهم يوقنون ويعلمون أن الله تعالى قادر أن يحيل لهم الصفا ذهبًا، وصحراء الجزيرة جنات من نخيل وأعناب وما تشتهيه الأنفس من الثمرات، ولكن ليس هذا طريق أصحاب الدعوة، إنما طريقهم: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أولئك هم الصادقون) [2] ، وكانوا مع ضيق ذات اليد وشدة الفاقة يؤثرون على أنفسهم ويدعون إخوانهم ليشاركوهم القليل الذي معهم كما في حديث جابر رضي الله عنه، وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى في كتابه: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) [3] . وهكذا رسمت لنا هذه الأحاديث صورةً راقيةً بديعةً للمجتمع المسلم في مواجهة الأزمات حكامًا ومحكومين، وما أحرانا بالاقتداء بهذه الصور ونحن نواجه الأزمات العاصفة بأمتنا اليوم بدلًا من التلفت يمنة ويسرة بحثًا عن مغيث، وحبل النجاة متيسر لنا في أيدينا!

6.وقال جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب:"من يأتينا بخبر القوم؟"فقال الزبير: أنا، ثم قال:"من يأتينا بخبر القوم؟"، فقال الزبير: أنا، ثم قال:"من يأتينا بخبر القوم؟"فقال الزبير: أنا، ثم قال:"إن لكل نبي حواريًا، وإن حواريَّ الزبير" [4] .

(1) صحيح البخاري - كتاب مناقب الأنصار - حديث 3906

(2) سورة الحجرات - آية 15

(3) سورة الحشر - آية 9

(4) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4113

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت