لقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحصيل كل من الأسباب الكونية والشرعية لتحقيق مقاصد الشريعة وغاياتها، وعلمنا أن الله تعالى قد خاطبنا بتحصيل كل من السببين فأمرنا بإعداد العدة كما أمرنا بتحقيق التوكل علىلله. وهكذا كان التعليم بالتطبيق العملي في هذه الغزوة، حيث كان يبعث الطليعة ليأتي بأخبار العدو ويتحقق من موازين المعركة ومتغيراتها، كما بين الحافظ ابن حجر:"فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين، وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطوائف" [1] . قلت: وهذا يدل على مدى اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتتبع أحوال المعارك وتحصيل أسباب النصر المادية، خلافًا لما يتوهمه البعض من أن التوكل يعني تعطيل الأسباب وانتظار نزول النصر من السماء دون تحصيل أسبابه.
وهنا أمر آخر وهو مراعاة الشريعة للطبائع والأحوال البشرية، ففي هذه الغزوة الشديدة والظروف الحالكة لم يبادر غير الزبير رضي الله عنه في هذا الموقف إلى إجابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ردد السؤال ثلاثًا فلا مجيب غير الزبير، وهذا يدل على شدة الحال والخوف الطبعي - الذي لا يؤاخذ الله تعالى به إن شاء الله - ويبين أيضًا تفاضل الصحابة رضوان الله عليهم فيما بينهم مع حيازتهم جميعًا مجمل الفضل بصحبة رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وما أجمل المكافأة على حسن المبادرة:"إن حواري الزبير"، فرضي الله عنه وأرضاه.
7.وقال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال:"اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" [2]
قال الله تعالى في سورة الأنفال: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون) [3] ، ولقد كان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في ذكر الله تعالى ودعائه وطلب النصر منه سبحانه وتعالى، ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه في غزوة الأحزاب بأقل اجتهادًا منه في الدعاء من غيرها.
(1) الفتح - 8/ 166
(2) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4115
(3) سورة الأنفال - آية 45