ولقد كانت غزوة الخندق أنموذجًا مهمًا لاستيفاء كل ما يتيسر من أسباب القوة والإعداد المادية التي تساعد على تحقيق النصر على الأعداء بإذن الله تعالى، ولا بد للمسلمين اليوم من تأمل ما بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم من حُسن الإعداد لهذه الغزوة، حتى يتخلصوا من توهُّم نزول النصر من السماء ابتداءً دون سبب يستجلبه بإذن الله تعالى.
وفيما يلي أستعرض أهم مقومات النصر المادية العسكرية في هذه الغزوة:
1.حفر الخندق: إن الإسلام دين عالمي، وهو بذلك يقصد إلى تعبيد الناس لله تعالى، ولا يقصد إلى تضييق أساليب العيش ووسائل الحياة الممكن اتخاذها لتحقيق هذه الغاية الكلية. ولهذا فما كان من باب الوسائل فحكمه حكم المقاصد، ولا ضير أن يتعلم المسلم من غير المسلمين ما هو حقٌ مباح في نفسه، لا سيما إذا كان وسيلةً إلى تحقيق مقصود الشرع. ولهذا لما اقترح سلمان الفارسي رضي الله عنه حفر الخندق وأخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن الفرس كانوا يفعلونه لم يمنع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من قبول الفكرة كونُها طريقةً فارسيةً أوكونها أمرًا غير مألوفٍ لدى العرب. وهكذا يجب على المسلمين اليوم أن ينظروا إلى كافة العلوم الكونية التي تقدمت فيها دول العالم الكافرة، فيأخذ منها المسلم ما هو حقٌ مباحٌ في نفسه، ويترك ما فيه مساسٌ بالعقيدة ومضادةٌ للشريعة.
والنكتة في المسألة أن الله تعالى لما خاطبنا بالتكاليف الشرعية فقد خاطبنا ضمنًا بتحصيل كل الوسائل المطلوبة لتحقيق هذه التكاليف، فإذا كنا مخاطبين بفريضة الجهاد، فلا بد لنا من الأخذ بكل وسائل الإعداد المادي المحققة لهذه الفريضة على أكمل وجه، ولا بد من اعتقاد أن الأخذ بهذه الوسائل بضوابطها الشرعية هو من الدين الذي تعبدنا الله تعالى به، والله أعلم.
2.استغلال التضاريس الجغرافية: قال ابن سعد:"فلما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فصولهم من مكة ندب الناس، وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع، وجعل سلعًا خلف ظهره وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف" [1] اهـ، وسلع هو الجبل حيث جعلوه لظهرهم، وجعلوا الخندق مِن أمامهم، فكان هذا ترتيبًا جيدًا للمعركة، وهذا يدل على أهمية استغلال الطبيعة الجغرافية لصالح المسلمين في المعركة، وهذا يدخل في الإعداد المادي الجيد.
3.بث الطلائع والعيون: تقدم معنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انتدب من يأتيه بأخبار العدو، فانتدب حذيفة رضي الله عنه ليأتيه بخبر الأحزاب، وانتدب الزبير رضي الله عنه ليأتيه بخبر بني قريظة، وهذا كله من الإعداد
(1) الطبقات الكبرى - 2/ 66