العسكري المادي المهم، إذ لا يمكن خوض معركة أو كسب قتال إلا بمعرفة العدو وعدده وعدته ومواطن ضعفه التي يمكن النفاذ منها ومواطن قوته التي يجب التحرز منها. وهذا تأكيدٌ آخر على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علَّمنا بالمثال العملي ضرورةَ الأخذ بالأسباب المادية لأنه لا يقاتل لساعته صلوات الله وسلامه عليه فحسب، بل هو يسن طريقًا ومنهجًا للأمة من بعده، ولقد كان ممكنًا أن يأتي الوحي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بكل ما يحتاجه من معلومات عسكرية، ولكن كيف يفعل من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
4.توزيع الموارد: تقدم معنا مدى ما أصاب المسلمين في الخندق من جوعٍ وشحٍ في الموارد، ومع هذا كان الرجل يدعو غيره إلى بيته ليطعم معه القليل الذي معه، وتقدم معنا أن جابرًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلًا أو رجلين - على قلة ما عنده من طعام - فكانت بركة هذا الإيثار وهذه المشاركة معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام حتى صدر عنه النفر الكثير وزاد منه كما تقدم في الحديث.
وقد حصلت نماذج عديدة في الخندق من هذه المشاركة التي تدل على أن المسلمين كانوا جسدًا واحدًا، وأن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم بتكثير الطعام كانت تثبيتًا معنويًا من جهة، ومكافأة مادية على هذا الإيثار من جهة أخرى، ولعل المعجزة الحقيقية هنا هي في صناعة هذا الجيل القرآني الفريد وفي نتاج هذه التربية النبوية السامية. واليوم قد انقطعت معجزات النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، ولكن كرامات هذه الأمة لا تنقطع إذا ما صدقت الله عز وجل. والشاهد في هذا الموضع على كل حال بالنسبة للإعداد المادي أن على المسلمين أن ينظروا في إعادة توزيع الموارد المادية المقفرة لديهم في حالات الحرب والقتال ليشمل نفعها أكبر عدد ممكن ولتعم بركتها سائر الجماعة المسلمة.
5.الريح والملائكة: لقد ثبت بالنصوص الصحيحة قتال الملائكة في الخندق وهزيمة الأحزاب واندحارهم بتسليط الريح عليهم. ولقد ذكرت الملائكة والريح ضمن العدة المادية العسكرية لأنها مخلوقات حقيقية لها وجود حقيقي، فليس التأييد بالملائكة أمرًا معنويًا فحسب كما قد يتوهم البعض بل هم يشاركون بأعيانهم في القتال، وينزلون بأعداد معينة كما قال تعالى: (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزَلِين) [1] ، وبأوامر معينة كقوله تعالى للملائكة: (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل
(1) سورة آل عمران - آية 124