(وإذ قالت) ، (يقولون) ، (والقائلين) [1] ، ولقد نبه الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله إلى الفروق في أساليب التعبير القرآنية عن هذه الأقسام أختصرها فيما يلي [2] :
القسم الأول: وهم الفريق الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) [3] ، والبيان هنا بـ (إذ) الظرفية والفعل المضارع (يقول) ليدل على دوران هذه المقولة وشيوعها على ألسنة المنافقين وتلقي أصحاب القلوب المريضة لها.
عن قتادة في قوله تعالى: (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) :"قال ناس من المنافقين: يعدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنا نفتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحِلَه، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا" [4] .
القسم الثاني: وهم الفريق الذي وصفهم الله تعالى بقوله: (وإذ قالت طائفةٌ منهم يا أهل يثرب لا مُقام لكم فارجعوا) [5] ، وجاء البيان هنا بذكر (إذ) الظرفية مع الفعل الماضي (وإذ قالت) للدلالة على صدور هذه المقالة دون تكرار ودوران على الألسنة.
قال الحافظ ابن كثير:"وقوله (لا مقام لكم) أي: عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة (فارجعوا) إلى بيوتكم ومنازلكم" [6] ، قلت: فهذا النوع من التخذيل لا حاجة للتكرار فيه لأن من كان مستجييبًا له استجاب لأول وهلة، ومن لم يكن كذلك لجأ معه المرجفون المخذلون إلى أساليب أخرى.
القسم الثالث: وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (ويستئذن فريق منهم النبيَّ يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا) [7] . وجاء البيان هنا بصيغة الفعل المضارع (ويستأذن) ، (يقولون) للدلالة على تكرار هذا الأسلوب وإلحاح هؤلاء المنافقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن قتادة في قوله: (إن بيوتنا عورة) قال:"كان المنافقون يقولون: إن بيوتنا تلي العدو، ولا نأمن على أهالينا، فيبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجد فيها أحدًا" [8] ، قلت: أي إنهم قالوا ذلك هربًا من الزحف وفرارًا من
(1) الآيات من سورة الأحزاب 12، 13، 18 على الترتيب
(2) انظر: قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني - 1/ 530 - 531
(3) سورة الأحزاب - الآية 12
(4) تفسير الصنعاني - 3/ 113 - 114
(5) سورة الأحزاب - آية 13
(6) تفسير ابن كثير - 6/ 514
(7) سورة الأحزاب - آية 13
(8) تفسير الصنعاني - 3/ 114