وكان من قرُب أولى أن يُجاهد؛ لقربه من عورات المسلمين؛ فإنَّ نكاية من قرُب أكثرُ من نكايةِ من بعُد.
وذكر الواقدي عن ربيعة بن عامر في أول قتال الروم، أن رجلًا من الروم سأل ربيعة عن سبب بداءتهم بهم وتقديمهم على الفرس فقال: بدأنا بكم لأنكم أقرب إلينا من الفرس، وإن الله تعالى أمرنا في كتابه بذلك، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .
وعلى هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الغالب من قتاله، وسيرة أصحابه من بعده: أنَّهم يبدؤون بالأقرب فالأقرب من الكفَّار، وهو الأصحّ من جهة سياسة الحربِ والنَّظر فيه، إذ لا يمكنه أن يدخل بلدًا يُقاتل فيه عدوًّا قبل وجهه، وقد تركَ عدوًّا خلفه بينه وبين المسلمين.
وهذا هو الأصل في جهاد الكفَّار، وكانت من النبي صلى الله عليه وسلم حوادث قاتلَ فيها العدوَّ الأبعد، فغزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك قبل فتح الطائف وقتال هوازن وثقيف وأهل تلك البلاد، وغزا بني المصطلق ودونهم عدو أقرب منهم لمَّا بلغه أنَّ الحارث بن أبي ضرار والد جويرية رضي الله عنها يجمع له.
والأمر في هذا وهذا يرجع إلى نظرِ المجاهدين في سياسة الحرب، فقد يُقدَّم الأنكى لأمن شرِّه، وقد يُقدَّم الأسهل نيلًا إذا أُمن الأنكى للتقوِّي به على غيره.
وهذا كُلُّه في قتالِ الأقربِ إلى جميع المسلمين قبل الأبعد من جميعهم، أمَّا الأقرب إلى طائفةٍ من المسلمين وهو بعيدٌ عن طائفةٍ أُخرى، كقتال العدو في أفغانستان مع وجود عدو أقربَ في بلاد العرب ونحو ذلك، فهذا ليس بمطابقٍ لمدلول الآية فيما يظهر والله أعلم، فإنَّ قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) يشمل كلَّ من يلي المسلمين جميعَهم أو طائفةً منهم لعموم الضمير في قوله يلونكم العائد على المخاطبين وهم الذين آمنوا، فلا يُقال إنَّ من قاتل عدوًّا يلي المسلمين في مشارق بلادهم، وترك عدوًّا أقرب إلى بلده الَّذي هو منه؛ إنَّه قد خالف مدلول الآية، بل قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) يشمل كلَّ من كان يلي طائفةً من المسلمين وإن بعُد عن طائفةٍ، وهذا لأنَّ المسلمين يدٌ واحدةٌ على من سواهم.