وكذلك فقد تولى من تولى يوم أحد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة مع أن ذلك من الموبقات قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (اجتنبوا السبع الموبقات) قلنا: وما هن يا رسول الله؟ - فذكرهنَّ وذكر منها - التولي يوم الزحف، وأنزل الله تعالى فيمن تولى يوم أحد قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) .
وغير ذلك من المعاصي التي وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فلم ينه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجهاد؛ بل وصف الله سبحانه وتعالى المتخلفين عن الجهاد بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) .
وكذلك فإن النكبات التي تصيب المجاهدين ليست مبررًا أيضًا لترك الجهاد في سبيل الله عز وجل فقد وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من المصائب والابتلاءات في جهادهم للكافرين الكثير والكثير ولم تسقط مشروعية الجهاد لوجودها؛ بل هذه طبيعة الجهاد في سبيل الله فلابد من وجود جرحى ونقصٍ في الأموال والأنفس وغير ذلك من الابتلاءات فقد قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) .
وإن من صفات المنافقين ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه عنهم بقوله: (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) فهذه حال بعض منافقي زماننا - نسأل الله السلامة والعافية - إذا كان للمجاهدين الغلبة والظفر ذهبوا يُمجِّدونهم ويدَّعون وقوفهم معهم، وإن نزل بالمجاهدين مصيبة وبلاء ظنوا أن ذلك من نعمة الله عليهم أن لم يكونوا معهم.
فاحذر يا عبد الله من صفات المنافقين، والزم ما أمرك الله به من قتال الكافرين، والدفاع عن أراضي المسلمين، ونصرة المستضعفين من المؤمنين، وفك أسر المأسورين من المسلمين، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأسأله سبحانه أن يُعيذنا من