فهرس الكتاب
ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية، وهو يعم النوعين . وذلك أنه ـ سبحانه قال: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [ طه: 109 ] ،والشفاعة: مصدر شفع شفاعة . والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى محل الفعل تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه ( المفعول به ) تارة، كما يقال: أعجبنى دق الثوب ودق القَصَّار وذلك مثل لفظ ( العلم ) ، يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } [ البقرة: 255 ] ، وقوله: { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [ النساء: 166 ] ، وقوله: { أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ } [ هود: 14 ] ،ونحو ذلك .
والثانى كقوله: { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [ لقمان: 34 ] ، فالساعة هنا: معلومة، لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: { فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } . قال موسى: { عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى } [ طه: 51، 52 ] ، ومثل هذا كثير .
فالشفاعة مصدر، لابد لها من شافع ومشفوع له .
والشفاعة: تعم شفاعة كل شافع، وكل شفاعة لمشفوع له .
فإذا قال: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ } نفى النوعين؛ شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين . فقوله: { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن ورضى له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضى له قولا من المشفوع له، وهى تنفع المشفوع له، فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع، فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه .
والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعًا ولا مشفوعًا له { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [ النبأ: 38 ] ، فهذا الصنف المأذون لهم، المرضى قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات .