فهرس الكتاب
فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة: 255 ] .
وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } ثم قال: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ الزخرف: 86 ]
وهنا اشترط الأمرين: أن يأذن له الرحمن، وأن يقول صوابًا، والمستثنى يتناول مصدر الفاعل والمفعول، كما تقول: لا ينفع الزرع إلا في وقته، فهو يتناول زرع الحارث، وزرع الأرض، لكن هنا قال: { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } والاستثناء مفرغ فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا، وإنما قال: { لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } ، فإذا لم يكن في الكلام حذف، كان المعنى: لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع؛ فإنهم تنفعهم الشفاعة، ويكون المعنى: أنها تنفع الشافع والمشفوع له .
وإن جعل فيه حذف ــ تقديره: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ــ كان المصدر مضافًا إلى النوعين، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم، لكونه شافعًا، وإلى بعضهم لكونه مشفوعًا له، ويكون هذا كقوله: { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ } [ البقرة: 177 ] ، أى من يؤمن، و { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ } [ البقرة: 171 ] ، أى مثل داعى الذين كفروا كمثل الناعق، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به، أى الذى ينعق به، والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم .
فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه، دون الإطناب فيه . وقوله: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ } [ طه: 109 ] ، إذا كان من هذا الباب، لم يحتج أن الشافع تنفعه الشفاعة، وإن لم يكرمه، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة .
وفى الآية الأخرى: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [ سبأ: 23 ] ، من هؤلاء، وهؤلاء .