فهرس الكتاب

الصفحة 1156 من 2516

وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار، لا يملكون مخاطبة اللّه في ذلك اليوم، قال ابن عطية: قوله: { لَا يَمْلِكُونَ } الضمير للكفار، أي: لا يملكون ـ من إفضاله وإكماله ـ أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها .

وهذا مبتدع، وهو خطأ محض .

والصحيح: قول الجمهور والسلف أن هذا عام، كما قال في آية أخرى: { وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا } [ طه: 108 ] ، وفي حديث التجلي الذى في الصحيح ـ لما ذكر مرورهم على الصراط ـ قال صلى الله عليه وسلم: ( ولا يتكلم أحد إلا الرسل، ودعوى الرسل: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ ) ، فهذا في وقت المرور على الصراط، وهو بعد الحساب والميزان، فكيف بما قبل ذلك ؟

وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل، وأولى العزم، وكل يقول: ( إن ربى قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني فعلت كذا وكذا، نفسي، نفسي، نفسي ) . فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى ـ تعالى ـ بالشفاعة، فكيف بغيرهم ؟

وأيضًا، فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة، وبعد أن ذكر الكافرين، فقال: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [ النبأ: 31 ـ 38 ] ،فقد أخبر أن الروح والملائكة يقومون صفًا، لا يتكلمون . وهذا هو تحقيق قوله: { لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } والعرب تقول: ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئًا،أي: لا أقدر من أمره على شيء، وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره خطابة،ولو بالسؤال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت