فهرس الكتاب
والمقصود هنا أن قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ الزخرف: 86 ] ، فهذا استثناء منقطع . والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين . فلما نفى ملكهم الشفاعة، بقيت الشفاعة بلا مالك لها .
كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها، هل يشفعون في أحد ؟ فقال: نعم { مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }
وهذا يتناول الشافع والمشفوع له،فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فالملائكة والأنبياء والصالحون ـ وإن كانوا لا يملكون الشفاعة ـ لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا، وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين، الذين يشهدون أن لا إله إلا اللّه، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدًا للآباء والشيوخ، كما جاء الحديث الصحيح: ( إن الرجل يسأل في قبره: ما تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن، فيقول: هو عبد اللّه ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى . وأما المرتاب، فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته ) فلهذا قال: { إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .
وقد تقدم قول ابن عباس؛ يعني من قال: ( لا إله إلا الله تعالى ) يعنى: خالصا من قلبه .
والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة، كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون في أهل ( لا إله إلا اللّه ) .
وقد ثبت في صحيح البخاري: أن أبا هريرة قال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال: ( يا أبا هريرة، لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله تعالى، خالصا من قبل نفسه ) .