فهرس الكتاب
الوجه الثاني: أن كون شهادتهم مقبولة مسموعة، لأنهم أهل العدل والرضا . فدل على وجوب ذلك في القبول والأداء، وقد نهي ـ سبحانه ـ عن قبول شهادة الفاسق بقوله: { إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } الآية [ الحجرات: 6 ] ، لكن هذا نص في أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره، / وأما الفاسقان فصاعدًا فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخري، وما ذكروه من عدد الشهود لا يعتبر في الحكم باتفاق العلماء في مواضع، وعند جمهورهم قد يحكم بلا شهود في مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك، ويحكم بشاهد ويمين كما مضت سنة رسول اللّه صلي الله عليه وسلم فإنه قضي بشاهد ويمين، رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم من حديث ابن عباس: ( أن رسول اللّه صلي الله عليه وسلم قضي بشاهد ويمين ) ورواه غيرهما، ويدل على هذا أن اللّه لم يعتبر عند الأداء هذا القيد: لا في آية الزنا ولا في آية القذف،بل قال: { فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ } [ النساء: 15 ] ، وقال: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } [ النور: 4 ] ، وإنما أمر بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد؛ ولم يأمر به عند خبر الفاسقين، فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الواحد؛ ولهذا قال العلماء: إذا استراب الحاكم في الشهود فَرَّقَهُم وسألهم عن مكان الشهادة وزمانها وصفتها وتحملها، وغير ذلك مما يتبين به اتفاقهم واختلافهم .