فهرس الكتاب
والثاني: أن هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن، وهم لا يقولون به كما هو مقرر في موضعه .
والثالث: أن الذين اعتبروا الحد اعتبروه، وقالوا: قد يكون القاذف صادقًا وقد يكون كاذبًا، فإعراض المقذوف عن طلب حد القذف قد يكون لصدق القاذف، فإذا طلب الحد ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه، ومعلوم أن الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد؛ فإن اللّه هو الذي برأها بكلامه الذي أنزله من فوق سبع سموات يتلي، فإذا كانت شهادتهم بعد توبتهم مقبولة، فشهادة غيرهم ممن شهد على غيرها بالقذف أولي بالقبول، وقصة عمر بن الخطاب التي حكم فيها بين المهاجرين والأنصار في شأن المغيرة ، لما شهد عليه ثلاثة بالزنا وتوقف الرابع عن الشهادة فجلد أولئك الثلاثة، ورد شهادتهم دليل على الفصلين جميعًا، كما دلت قصة عائشة على قبول شهادتهم بعد التوبة والجلد، لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل عمر / والمسلمون شهادتهما، والثالث: وهو أبو بكرة مع كونه من أفضلهم لم يتب، فلما لم يتب لم يقبل المسلمون شهادته، وكان من صالحي المسلمين، وقد قال عمر: تب أقْبَلُ شهادتك، لكن إذا كان القرآن قد بين أن القَذَفَةِ إن لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدًا، ثم قال بعد ذلك: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } [ النور: 4، 5 ] ، فمعلوم أن قوله: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } وصف ذم لهم زائد على ما ذكره من رد شهادتهم .