فهرس الكتاب
وأما تفسير ( العدالة ) المشروطة في هؤلاء الشهداء: فإنها الصلاح في الدين والمروءة، والصلاح في أداء الواجبات، وترك الكبيرة، والإصرار على الصغيرة . و ( الصلاح في المروءة ) : استعمال ما يجَمِّله ويزَينُه واجتناب ما يدَنِّسَه ويشينه، فإذا وجد هذا في شخص كان عدلا في شهادته، وكان من الصالحين الأبرار . وأما أنه لا يستشهد أحد في وصية أو رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتي يكون بهذه الصفة، فليس في كتاب اللّه وسنة رسوله ما يدل على ذلك، بل هذا صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها، ومن كان كذلك كان من أولياء اللّه المتقين .
ثم إن القائلين بهذا قد يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها، بل قد يجب على الإنسان من حقوق اللّه وحقوق عباده ما لا يحصيه / إلا اللّه ـ تعالى ـ مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنا، ومع ذلك لم يجعلوه قادحا في عدالته؛ إما لعدم استشعار كثرة الواجبات، وإما لالتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات، وليس الأمر كذلك في الشريعة، وبالجملة، هذا معتبر في باب الثواب والعقاب، والمدح والذم، والموالاة والمعاداة وهذا أمر عظيم .
وأما قول من يقول: الأصل في المسلمين العدالة فهو باطل، بل الأصل في بني آدم الظلم والجهل، كما قال تعالى: { وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [ الأحزاب: 72 ] . ومجرد التكلم بالشهادتين لا يوجب انتقال الإنسان عن الظلم والجهل إلى العدل .