فهرس الكتاب
وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر إلى المحرمات فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس، فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه، وقد ذكر ـ سبحانه ـ غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان، وذلك أن البيوت سترة كالثياب التي على البدن، كما جمع بين اللباسين في قوله تعالي: { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } [ النحل: 81 ] ، فكل منهما وقاية من الأذى الذي يكون سمومًا مؤذيا كالحر والشمس والبرد، وما يكون من بني آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك .
وقد ذكر في أول ( سورة النحل ) أصول النِّعم، وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من المهلكات، وذكر في أثنائها تمام النِّعم وما يدفع الحر فإنه من المؤذيات، ثم قال: { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } [ النحل: 81 ] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ) . وهذا الخاص يفسر العام الذي في الصحيح عن عبد الله بن مُغَفَّل: أنه رأي رجلًا يخذف، قال: لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن الخذف، وقال: ( إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين ) . وفي الصحيحين عن سهل بن سعد: أن رجلًا اطلع في حجرة في باب النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدري يحك بها رأسه، فقال: ( لو أعلم أنك تنظر إلى لطعنت به في عينك؛ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) .