فهرس الكتاب
فتضمنت السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم . والإقسام بمواضع محنهم تعظيم لهم . فإن موضع الإنسان إذا عظم لأجله كان هو أحق بالتعظيم . ولهذا يقال في المكاتبات: [ إلى المجلس، والمقر ـ ونحو ذلك ـ السامي، والعالي ] ، ويذكر بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه .
فلما قال: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } [ التين: 7 ] ، دل على أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع التكذيب بالدين .
وفي قوله: { يُكَذِّبُكَ } قولان . قيل: هو خطاب للإنسان، كما قال مجاهد وعكرمة، ومقاتل، ولم يذكر البغوى غيره . قال عكرمة، يقول: فما يكذبك بعد بهذه الأشياء التي فعلت بك . وعن مقاتل: / فما الذي يجعلك مكذبًا بالجزاء، وزعم أنها نزلت في عَيَّاش بن أبي ربيعة .
والثاني أنه خطاب للرسول ـ وهذا أظهر ـ فإن الإنسان إنما ذكر مخبرًا عنه لم يخاطب . والرسول هو الذي أنزل عليه القرآن، والخطاب في هذه السور له، كقوله: { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } [ الضحى: 3 ] ، وقوله: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح: 1 ] ، وقوله: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } [ العلق: 1 ] .
والإنسان إذا خوطب، قيل له: { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } [ الانفطار: 6 ] ، { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا } [ الانشقاق: 6 ] .
وأيضًا، فبتقدير أن يكون خطابًا للإنسان يجب أن يكون خطابًا للجنس، كقوله: { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ } . وعلى قول هؤلاء؛إنما هو خطاب للكافر خاصة ـ المكذب بالدين .
وأيضًا، فإن قوله: { يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } ، أى يجعلك كاذبًا، هذا هو المعروف من لغة العرب . فإن استعمال كَذَّب غيره، أى: نسبه إلى الكذب وجعله كاذبًا مشهور، والقرآن مملوء من هذا . وحيث ذكر الله تكذيب المكذبين للرسل، أو التكذيب بالحق ونحو ذلك، فهذا مراده .