فهرس الكتاب
/ لكن هذه الآية فيها غموض من جهة كونه قال: { يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } . فذكر المكذب بالدين ـ فذكر المكَذِّبَ والمكَذَّبَ به جميعًا . وهذا قليل ـ جاء نظيره في قوله: { فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ } [ الفرقان: 19 ] ـ فأما أكثر المواضع فإنما يذكر أحدهما ـ إما المُكَذِّب، كقوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء: 105 ] ؛ وإما المُكَذَّب به، كقوله: { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ } [ الفرقان: 11 ] .
وأما الجمع بين ذكر المكذب والمكذب به فقليل .
ومن هنا اشتبهت هذه الآية على من جعل الخطاب فيها للإنسان، وفسر معنى قوله: { فَمَا يُكَذِّبُكَ } : فما يجعلك مكذبًا .
وعبارة آخرين: فما يجعلك كذابًا . قال ابن عطية: وقال جمهور من المفسرين: المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذابًا بالدين ـ تجعل لله أندادًا، وتزعم أن لا بعث ـ بعد هذه الدلائل ؟
قلت: وكلا القولين غير معروف في لغة العرب، أن يقول: [ كذبك، أي: جعلك مكذبًا ] ، بل [ كذبك: جعلك كذابًا ] .
وإذا قيل: [ جعلك كذابًا ] ، أى: كاذبًا فيما يخبر به، كما جعل الكفار الرسل كاذبين فيما أخبروا به فكذبوهم، وهذا يقول: / جعلك كاذبًا بالدين، فجعل كذبه أنه أشرك وأنه أنكر المعاد، وهذا ضد الذي ينكر .
ذاك جعله مكذبًا بالدين، وهذا جعله كاذبًا بالدين . والأول فاسد من جهة العربية، والثاني فاسد من جهة المعنى . فإن الدين هو الجزاء الذي كذب به الكافر . والكافر كذب به، لم يكذب هو به .
وأيضًا، فلا يعرف في المخبر أن يقال: [ كذبت به ] ، بل يقال: [ كذبته ] .
وأيضًا، فالمعروف في [ كذبه ] ، أي نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه . فهذا كله تكلف لا يعرف في اللغة، بل المعروف خلافه . وهو لم يقل: [ فما يكذبك ] ، ولا قال: [ فما كذبك ] .