فهرس الكتاب

الصفحة 1802 من 2516

وقد أحسن مجاهد في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال له: { فَمَا يُكَذِّبُكَ } ، أى: استيقن، ولا تكذب . فإنه لو قيل له: [ لا تكذب ] / لكان هذا من جنس أمره بالإيمان والتقوى، ونهيه عما نهي الله عنه . وأما إذا قيل: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } ، فهو لم يكذب بالدين، بل هو الذي أخبر بالدين وصدق به، فهو { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } [ الزمر: 33 ] ، فكيف يقال له: { مَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } ؟ فهذا القول فاسد لفظًا ومعنى .

واللفظ الذي رأيته منقولًا بالإسناد عن قتادة ليس صريحًا فيه، بل يحتمل أن يكون أراد به خطاب الإنسان . فإنه قال: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } ، قال: ( استيقن، فقد جاءك البيان ) . وكل إنسان مخاطب بهذا . فإن كان قتادة أراد هذا فالمعنى صحيح .

لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فهذا المعنى باطل . فلا يقال للرسول: [ فأى شيء يجعلك مكذبًا بالدين ؟ ] وإن ارتأت به النفس، لأن هذا فيه دلائل تدل على فساده . ولهذا استعاذ منه مجاهد .

والصواب ما قاله الفَرَّاء، والأخْفَش، وغيرهما . وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، وغيره من العلماء كما تقدم .

وكذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء، فقال: إنه خطاب / للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا، قاله الفراء .

قال: وأما [ الدين ] فهو الجزاء . قلت: وكذلك قال غير واحد، كما روى ابن أبي حاتم عن النضر بن عربي: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } ، أي: بالحساب .

ومن تفسير العوفي عن ابن عباس: أي بحكم الله . قلت: قال: [ بحكم الله ] لقوله: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } [ التين: 8 ] ، وهو ـ سبحانه ـ يحكم بين المصدق بالدين والمكذب به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت