فهرس الكتاب

الصفحة 1803 من 2516

وعلى هذا، قوله: { فَمَا } وصف للأشخاص . ولم يقل: [ فمن ] ؛ لأن [ ما ] يراد به الصفات دون الأعيان، وهو المقصود، كقوله: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } [ النساء: 3 ] ، وقوله: { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } [ الكافرون: 2 ] ، وقوله: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس: 7 ] . كأنه قيل: فما المكذب بالدين بعد هذا ؟ أى: من هذه صفته ونعته، هو جاهل ظالم لنفسه،والله يحكم بين عباده فيما يختلفون فيه من هذا النبأ العظيم .

وقوله: { بّعًد } ، قد قيل: إنه [ بعد ما ذكر من دلائل الدين ] .

/ وقد يقال: لم يذكر إلا الإخبار به، وأن الناس نوعان: في أسفل سافلين، ونوع لهم أجر غير ممنون ؟

فقد ذكر البشارة والنذارة، والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين .

فمن كذبك بعد هذا، فحكمه إلى الله أحكم الحاكمين وأنت قد بلغت ما وجب عليك تبليغه .

وقوله: { فَمَا يُكَذِّبُكَ } ليس نفيًا للتكذيب، فقد وقع . بل قد يقال: إنه تعجب منه، كما قال: { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ الرعد: 5 ] .

وقد يقال: إن هذا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه، كما يقال: [ من فلان ؟ ] و [ من يقول هذا إلا جاهل ؟ ] . لكنه ذكره بصيغة [ ما ] فإنها تدل على صفته، وهي المقصودة، إذ لا غرض في عينه . كأنه قيل: [ فأي صنف وأي جاهل يكذبك بعد بالدين ؟ فإنه من الذين يردون إلى أسفل سافلين ] .

وقوله: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } [ التين: 8 ] ، يدل على أنه الحاكم بين المكذب بالدين والمؤمن به . والأمر في ذلك له ـ سبحانه وتعالى .

/ والقرآن لا تنقضي عجائبه . والله ـ سبحانه ـ بين مراده بيانًا أحكمه، لكن الاشتباه يقع على من لم يرسخ في علم الدلائل الدالة . فإن هذه السورة وغيرها فيها عجائب لا تنقضي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت