فهرس الكتاب
فهم إنما يصفونه بالقدرة والقهر . وهذا إنما يقتضي الإجلال ـ فقط ـ لا يقتضي الإكرام، والمحبة، والحمد . وهو ـ سبحانه ـ الأكرم . قال تعالى: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } [ البروج: 12، 13 ] ، ثم قال: { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [ البروج: 14 - 16 ] ، وقال شعيب: { وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } [ هود: 90 ] .
وفي أول ما نزل: وَصَفَ نفسه بأنه الذي خلق، وبأنه الأكرم . والجهمية ليس عندهم إلا كونه خالقًا ـ مع تقصيرهم في إثبات كونه خالقًا ـ لا يصفونه بالكرم،ولا الرحمة، ولا الحكمة .
وإن أطلقوا ألفاظها فلا يعنون بها معناها، بل يطلقونها لأجل مجيئها في القرآن، ثم يلحدون في أسمائه ويحرفون الكلم عن مواضعه . فتارة يقولون: الحكمة هي القدرة، وتارة يقولون: هي المشيئة، وتارة يقولون: هي العلم .
وأن الحكمة ـ وإن تضمنت ذلك واستلزمته ـ فهي أمر زائد / على ذلك . فليس كل من كان قادرًا أو مريدًا كان حكيمًا، ولا كل من كان له علم يكون حكيمًا، حتى يكون عاملا بعلمه .
قال ابن قُتَيبَة وغيره: الحكمة هي العلم والعمل به، وهي ـ أيضًا ـ: القول الصواب . فتتناول القول السديد، والعمل المستقيم الصالح .
والرب ـ تعالى ـ أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء .
والإحكام الذي في مخلوقاته دليل على علمه . وهم مع سائر الطوائف يستدلون بالإحكام على العلم، وإنما يدل إذا كان الفاعل حكيمًا يفعل لحكمة .
وهم يقولون: إنه لا يفعل لحكمة، وإنما يفعل بمشيئة تخص أحد المتماثلين بلا سبب يوجب التخصيص . وهذا مناقض للحكمة، بل هذا سفه .