فهرس الكتاب
وهو قد نزه نفسه عنه في قوله: { لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [ الأنبياء: 17، 18 ] .
وقد أخبر أنه إنما خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق، وأنه / لم يخلقهما باطلًا، وأن ذلك ظن الذين كفروا . وقال: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } [ المؤمنون: 115 ] ، وقال: { أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } [ القيامة: 36 ] ، أي: مهملًا، لا يُؤْمَر ولا يُنْهي . وهذا استفهام إنكار على من جوز ذلك على الرب .
والجهمية المجْبِرة تُجَوِّزُ ذلك عليه، ولا تنزهه عن فعل، وإن كان من منكرات الأفعال . ولا تنعته بلوازم كرمه، ورحمته، وحكمته، وعدله؛ فيعلم أنه يفعل ما هو اللائق بذلك، ولا يفعل ما يضاد ذلك .
بل تجوز كل مقدور أن يكون، وألا يكون، وإنما يجزم بأحدهما لأجل خبر سمعي، أو عادة مطردة، مع تناقضهم في الاستدلال بالخبر ـ أخبار الرسل وعادات الرب ـ كما بسط هذا في مواضع، مثل الكلام على معجزات الأنبياء، وعلى إرسال الرسل، والأمر والنهي، وعلى المعاد، ونحو ذلك، مما يتعلق بأفعاله وأحكامه الصادرة عن مشيئته . فإنها صادرة عن حكمته وعن رحمته، ومشيئته مستلزمة لهذا وهذا، لا يشاء إلا مشيئة متضمنة للحكمة، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها ) .
/ فهم في الحقيقة لا يقرون بأنه الأكرم .
والإرادة التي يثبتونها لم يدل عليها سمع ولا عقل، فإنه لا تعرف إرادة ترجح مرادًا على مراد بلا سبب يقتضي الترجيح . ومن قال من الجهمية والمعتزلة: إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، فهو مكابر .