فهرس الكتاب

الصفحة 1902 من 2516

والمقصود ـ هنا ـ أن كلامهم الذي زعموا أنهم أثبتوا به الصانع إنما يدل على نفي الصانع وتعطيله . فلا يكفي فيه أنه باطل لم يدل على الحق، بل دل على الباطل الذي يعلمون هم وسائر العقلاء أنه باطل .

ولهذا كان يقال في أصولهم: [ ترتيب الأصول في تكذيب الرسول ] . ويقال ـ أيضًا ـ هي: [ ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول ] . جعلوها أصولا للعلم بالخالق، وهي أصول تناقض العلم به . فلا يتم العلم بالخالق إلا مع اعتقاد نقيضها . وفَرْقٌ بين الأصل والدليل المستلزم للعلم بالرب، وبين المناقض المعارض للعلم بالرب .

/ فالمتفلسفة يقولون: إنهم أثبتوا واجب الوجود . وهم لم يثبتوه، بل كلامهم يقتضي أنه ممتنع الوجود . والجهمية والمعتزلة ونحوهم يقولون: إنهم أثبتوا القديم المحدث للحوادث، وهم لم يثبتوه، بل كلامهم يقتضي أنه ما ثم قديم أصلا . وكذلك الأشعرية والكَرَّامية وغيرهم ممن يقول: إنه أثبت العلم بالخالق، فهم لم يثبتوه، لكن كلامهم يقتضي أنه ما ثَمَّ خالق .

وهذه الأسماء الثلاثة هي التي يُظْهرها هؤلاء ـ واجب الوجود، والقديم، والصانع أو الخالق، ونحو ذلك .

ثم إنه من المعلوم ـ بضرورة العقل ـ أنه لا بد في الوجود من موجود واجب بنفسه قديم أزلى محدث للحوادث . فإذا كان هذا معلومًا بالفطرة والضرورة والبراهين اليقينية، وكانت أصولهم التي عارضوا بها الرسول تناقض هذا، دل على فسادها جملة وتفصيلًا .

وقد ذكرنا ـ في مواضع ـ أن الإقرار بالصانع فطرى ضروري مع كثرة دلائله وبراهينه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت