فهرس الكتاب
وإذا كان قد أنزل بعلمه فهو يقتضي أنه حق من الله، ويقتضي أن الرسول، رسول من الله ـ الذي بين فيه علمه . قال الزجاج: [ الشاهد ] المبين لما شهد به، والله يبين ذلك ويعلم مع ذلك أنه حق .
قلت: قوله: { لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ } ، شهادته هو بيانه وإظهاره دلالته وإخباره . فالآيات البينات التي بين بها صدق الرسول تدل عليه ـ ومنها القرآن ـ هو شهادة بالقول .
وهو في نفسه آية ومعجزة تدل على الصدق كما تدل سائر الآيات، والآيات كلها شهادة من الله، كشهادة بالقول، وقد تكون أبلغ .
ولهذا ذكر هذا في سورة هود لما تحداهم بالإتيان بالمثل فقال: / { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } [ هود: 13 ،14 ] . فإن عجز أولئك عن المعارضة، دل على عجز غيرهم بطريق الأولي، وتبين أن جميع الخلق عاجزون عن معارضته، وأنه آية بينة تدل على الرسالة وعلى التوحيد .
وكذلك قوله: { لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } [ النساء: 166 ] .
بعد قوله: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } إلى قوله: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [ النساء: 136،135 ] ، وقد ذكروا أن من الكفار من قال: لا نشهد لمحمد بالرسالة، فقال تعالى: { لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَّ } .
وأحسن من هذا أنه لما قال: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } ، نفي حجة الخلق على الخالق فقال: لكن حجة الله على الخلق قائمة بشهادته بالرسالة، فإنه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه فما للخلق على الله حجة، بل له الحجة البالغة . وهو الذي هدي عباده بما أنزله .