فهرس الكتاب
وعلى ما تقدم فقوله: { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } ، أي: فيه علمه بما كان وسيكون وما أخبر به، وهو ـ أيضًا ـ مما يدل على أنه حق . فإنه إذا أخبر بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله، دل على أن الله أخبره به،/كقوله: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } الآية [ الجن: 26 ،27 ]
وقد قيل: أنزله وهو عالم به وبك . قال ابن جرير الطبري في آية النساء: أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه .
وذكر الزجاج في آية هود قولين . أحدهما: أنزله وهو عالم بإنزاله، وعالم أنه حق من عنده . والثاني: أنه أنزله بما أخبر فيه من الغيوب، ودل على ما سيكون وما سلف .
قلت: هذا الوجه هو الذي تقدم .
وأما الأول فهو من جنس قول ابن جرير . فإنه عالم به وبمن أنزل إليه وعالم بأنه حق، وأن الذي أنزل عليه أهل لما اصطفاه الله له . ويكون هذا كقوله: { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [ الدخان: 32 ] ، وقول من قال: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ } [ القصص: 78 ] ، أي: على علم من الله باستحقاقي .
قلت: وهذا الوجه يدخل في معنى الأول فإنه إذا نزل الكلام بعلم الرب، تضمن أن كل ما فيه فهو من علمه، وفيه الإخبار بحاله وحال الرسول . وهذا الوجه هو الصواب . وعليه الأكثرون، ومنهم من لم يذكر غيره .
/ والأول - وإن كان معناه صحيحًا - فهو جزء من هذا الوجه .
وأما كون الثاني هو المراد بالآية فغلط؛ لأن كون الرب - سبحانه - يعلم الشيء لا يدل على أنه محمود ولا مذموم . وهو - سبحانه - بكل شيء عليم . فلا يقول أحد: إنه أنزله وهو لا يعلمه .