ولذلك قال من قال من السلف: هو الذي لا يخرج منه شيء، ليس مرادهم أنه لا يتكلم، وإن كان يقال في الكلام: إنه خرج منه، كما قال في الحديث: ( ما تقرب العباد إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ) يعني: القرآن، وقال أبو بكر الصديق ـ لما سمع قرآن مسيلمة: إن هذا لم يخرج من إلٍّ . فخروج الكلام من المتكلم هو بمعني أنه يتكلم به فيسمع منه، ويبلغ إلى غيره ليس بمخلوق في غيره، كما يقول الجهمية: ليس بمعني أن شيئا من الأشياء القائمة به يفارقه، وينتقل عنه إلى غيره، /فإن هذا ممتنع في صفات المخلوقين، أن تفارق الصفة محلها، وتنتقل إلى غير محلها، فكيف بصفات الخالق جل جلاله . وقد قال تعالى في كلام المخلوقين: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } [ الكهف: 5 ] ، وتلك الكلمة هي قائمة بالمتكلم، وسمعت منه ليس خروجها من فيه، أن ما قام بذاته من الكلام فارق ذاته، وانتقل إلى غيره، فخروج كل شيء بحسبه، ومن شأن العلم والكلام إذا استفيد من العالم والمتكلم ألا ينقص من محله؛ ولهذا شبه بالنور الذي يقتبس منه كل أحد الضوء، وهو باق على حاله لم ينقص، فقول من قال من السلف: الصمد: هو الذي لم يخرج منه شيء، كلام صحيح، بمعني أنه لا يفارقه شيء منه .
ولهذا امتنع عليه أن يلد وأن يولد؛ وذلك أن الولادة والتولد ـ وكل ما يكون من هذه الألفاظ ـ لا يكون إلا من أصلين، وما كان من المتولد عينًا قائمة بنفسها، فلابد لها من مادة تخرج منها، وما كان عرضًا قائمًا بغيره، فلابد له من محل يقوم به .