وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: ( الرؤيا ثلاثة: رؤيا من اللّه، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا ما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في النوم ) . وقد قيل: إن هذا من كلام ابن سيرين، لكن تقسيم الرؤيا إلى نوعين: نوع من اللّه، ونوع من الشيطان صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا ريب، فهذان النوعان من وسواس النفس، ومن وسواس الشيطان، وكلاهما معفو عنه، فإن النائم قد رُفِع القلم عنه، ووسواس الشيطان يغشى القلب كطيف الخيال، فينسيه ما كان معه من الإيمان حتى يعمى عن الحق فيقع في الباطل، فإذا كان من المتقين كان كما قال اللّه: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف: 201 ] ، فإن الشيطان مسهم بطيف منه يغشى القلب، وقد يكون لطيفًا، وقد يكون كثيفًا إلا أنه غشاوة على القلب تمنعه إبصار الحق . قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك/الران الذي قال اللّه تعالى: { كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [ المطففين: 14 ] ) .
لكن طيف الشيطان غير رين الذنوب، هذا جزاء على الذنب، والغين ألطف من ذلك، كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: ( إنه ليَغانُ على قلبي، وإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة ) . فالشيطان يلقى في النفس الشر، والملك يلقى الخير . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجن ) . قالوا: وإياك يارسول اللّه ؟ قال: ( وإياي إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم ) . وفي رواية: ( فلا يأمرنى إلا بخير ) أي: استسلم وانقاد .