/والملائكة رسل اللّه . ولفظ الملك يتضمن معنى الرسالة، فإن أصل الكلمة: ملأك على وزن مفعل، لكن لكثرة الاستعمال خففت، بأن ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفت الهمزة، وملاك مأخوذ من المألك والملأك، بتقديم الهمزة على اللام، واللام على الهمزة، وهو الرسالة، وكذلك الألوكة بتقديم الهمزة على اللام، قال الشاعر:
أبلغ النعمان عني مالكًا ** أنه قد طال حبسي وانتظاري
وهذا بتقديم الهمزة . لكن الملك هو بتقديم اللام على الهمزة، وهذا أجود، فإن نظيره في الاشتقاق الأكبر: لاك يلوك، إذا لاك الكلام، واللجام، والهمز أقوى من الواو، ويليه في الاشتقاق الأوسط: أكل يأكل، فإن الآكل يلوك ما يدخله في جوفه من الغذاء، والكلام والعلم ما يدخل في الباطن ويغذى به صاحبه . قال عبد اللّه بن مسعود: إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته، وإن مأدبة اللّه القرآن، والآدب المضيف، والمأدبة الضيافة، وهو ما يجعل من الطعام للضيف، فبين أن اللّه ضيف عباده بالكلام الذي أنزله إليهم، فهو غذاء قلوبهم وقوتها، وهو أشد انتفاعا به، واحتىاجا إليه من الجسد بغذائه .
وقال علي ـ رضي اللّه عنه: الربانيون: هم الذين يغذون الناس بالحكمة، /ويربونهم عليها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ) . وقد أخبر اللّه ـ تعالى ـ أن القرآن شفاء لما في الصدور، والناس إلى الغذاء أحوج منهم إلى الشفاء في القلوب والأبدان، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة أمسكت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثنى اللّه به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به ) .