فأخبر أن ما بعث به للقلوب كالماء للأرض، تارة تشربه فتنبت، وتارة تحفظه، وتارة لا هذا ولا هذا، والأرض تشرب الماء وتغتذى به حتى يحصل الخير، وقد أخبر اللّه ـ تعالى ـ أنه روح تحيا به القلوب فقال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى: 52 ] .
وإذا كان ما يوحيه إلى عباده تارة يكون بوساطة ملك، وتارة بغير وساطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء، قال/تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } [ القصص: 7 ] ، وقال تعالى: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } [ المائدة: 111 ] ، وإذا كان قد قال: { وَأَوْحي رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } الآية [ النحل: 68 ] ، فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى، وقال تعالى: { وَأَوْحي فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت: 21 ] وقد قال تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [ الشمس: 7، 8 ] ، فهو ـ سبحانه ـ يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لابد أن يقترن به خبر .
وقد صار في العرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة . وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي، وبين الوسوسة . فالمأمور به إن كان تقوى اللّه فهو من إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان .