فهرس الكتاب

الصفحة 2515 من 2516

والمتفلسفة بنوه على أصلهم: في أن ما يحدث من الصور هو من فيض العقل الفعال عند استعداد المواد القابلة، فقالوا: يحصل في نفوس البشر من فيض العقل الفعال عند استعداد النفس باستحضار المقدمتين . وهذا القول خطأ، والذي قبله أقرب منه، والأول أقرب، وليس في شيء منها تحقيق الأمر في ذلك .

وحقيقته أن اللّه وكل بالإنس ملائكة وشياطين، يلقون في قلوبهم الخير والشر، فالعلم الصادق من الخير، والعقائد الباطلة من الشر، كما قال ابن مسعود: لمة الملك تصديق بالحق، ولمة الشيطان تكذيب بالحق، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في القاضى: ( أنزل اللّه عليه مَلَكًا يسدده ) . وكما أخبر اللّه أن الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه، وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك، كما لا يشعر بالشيطان الموسوس . /لكن اللّه أخبر أنه يكلم البشر وحيًا، ويكلمه بملك يوحي بإذنه ما يشاء، والثالث التكليم من وراء حجاب . وقد قال بعض المفسرين: المراد بالوحي هنا الوحي في المنام، ولم يذكر أبو الفرج غيره، وليس الأمر كذلك؛ فإن المنام تارة يكون من اللّه، وتارة يكون من النفس، وتارة يكون من الشيطان، وهكذا ما يلقى في اليقظة، والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام .

ولهذا كانت رؤيا الأنبياء وحيًا، كما قال ذلك ابن عباس، وعبيد بن عمير، وقرأ قوله: { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } [ الصافات: 102 ] ، وليس كل من رأي رؤيا كانت وحيًا، فكذلك ليس كل من ألقى في قلبه شيء يكون وحيًا، والإنسان قد تكون نفسه في يقظته أكمل منها في نومه كالمصلى الذي يناجى ربه، فإذا جاز أن يوحي إليه في حال النوم فلماذا لا يوحي إليه في حال اليقظة، كما أوحي إلى أم موسى، والحواريين، وإلى النحل ؟ ! لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس . واللّه أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت