الأخلاق" [1] ، وقد بذل العلماء والدعاة جهودا عظيمة في تقرير هذا المعنى في نفوس المسلمين، والدعوة إليه، وبيان وسائله وآثاره بوسائل شتى، وأساليب مختلفة، ومن ذلك تخصيص مؤلفات لهذا الباب تتناول مباحثه ومسائله، وقد أطلق عليها أسماء مختلفة مثل: الرقائق، والزهد، والسلوك، والآداب، والأخلاق، ومنهم ـ لاسيما المتأخرين ـ من أطلق عليه اسم (تزكية النفس) ، وهنا ذكر لبعض من عرف (تزكية النفس) باعتباره لقبا لفن مخصوص."
فقد عرفها د. أنس أحمد كرزون التزكية بأنها: تطهير النفس من نزغات الشر والإثم، وتنمية فطرة الخير فيها مما يؤدي إلى استقامتها وبلوغها درجة الإحسان.
ويؤكد هذا المعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسر التزكية ببلوغ مرتبة الإحسان فقال - صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من فعلن فَقَدْ ذَاقَ طعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ ... وَزَكَّى نَفْسَهُ"، فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال:"أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ". [2]
ولابد من التأكيد هنا أنه ليس المراد بتزكية النفس اقتلاع الأوصاف المذمومة منها، لأن هذا يخالف طبيعة النفس وصفاتها وخصائصها التي خلقها الله عليها، وإنما المقصود غلبة صفات الخير، وضبط صفات الشر وتوجيهها بما يرضي الله سبحانه، وبذلك يتم تطهير النفس من نزعات الشر والإثم، وتخليها عن الأخلاق المذمومة وتحليها بالأوصاف المحمودة حتى يبلغ المسلم درجة الإحسان. [3]
وقال د. أحمد فريد:"يقصد بها ـ أي: التزكية ـ تنمية القلوب وإصلاحها وتطهيرها، يقولون: زكا الزرع إذا نما وصلح وبلغ كماله، وسميت صدقة المال الواجبة زكاة لأن المال يطهر بها وينمو، فهي طهارة للمال وطهارة للمزكي وطهارة للمجتمع، وعكس التزكية التدسية: وهي التصغير والتحقير حتى تصير النفس حقيرة دنيئة لا تكاد ترى من حقارتها ودناءتها، ومنه قوله - عز وجل: {أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} [4] أي: يخفيه في"
(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد باب حسن الخلق حديث (274) وصححه الشيخ الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (45)
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ص115، والبيهقي في السنن4/ 95 وإسناده صحيح، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني حديث (1046)
(3) كرزون، مرجع سابق، ص12
(4) سورة النحل آية:59