الصفحة 68 من 83

الفصل الثالث

معالم منهج تزكية النفوس من خلال الحث

على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات

يتناول هذا الفصل بيان اشتمال سورة المائدة على منهج متكامل لتزكية النفوس، أمرا ونهيا، مدحا وذما، ترغيبا وترهيبا، في تناسق بديع، وتنوع مشوق، يهدف إلى تطهير النفوس من الرذائل والخبائث، وتجميلها بمحاسن الصفات وكريم الأخلاق، وهذا ما تتناوله المباحث الآتية:

المبحث الأول: الحث على التقوى:

المطلب الأول: الأمر بالتقوى:

تكرر الأمر بالتقوى في سورة المائدة إحدى عشرة مرة [1] ، وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية منه، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم:"اتقوا النار ولو بشق تمرة" [2] أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقات وأعمال البر.

وقد اختلفت عبارات السلف في حقيقة التقوى، فقال الراغب: التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك بعض المباحات، لقوله - صلى الله عليه وسلم:"الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبهات لا يعملها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه"الحديث [3] .

وقال الجرجاني:"التقوى في الطاعة يراد بها الإخلاص، وفي المعصية يراد بها الترك والحذر، وقال طلق بن حبيب:"التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله"،قال ابن القيم:"وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى، فإن كل عمل لابد من مبدأ

(1) انظر الآيات: 2، 4، 7، 8، 11، 35، 57، 93، 96،108،112.

(2) أخرجه البخاري كتاب الزكاة باب اتقوا النار ولو بشق تمرة حديث (1417) ، ومسلم كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة حديث (1016)

(3) أخرجه البخاري كتاب الإيمان حديث (52) ، ومسلم كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات حديث (1599)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت