والفرق بين المصلحة المرسلة والقياس هو أن المصلحة المرسلة ليس هناك أصل محدد تقاس عليه، ولا واقعة تماثلها من كل الوجوه حتى يجمع بينهما بالعلة الجامعة، وإنما هناك مصلحة يراد الوصول إليها، وهذه المصلحة سواء كانت لحفظ دين الناس أو دنياهم لم يأت نص شرعي بالنهي عنها ولم يأت نص شرعي بأخذها بخصوصها فإننا نستنبط لها حكمًا، ونأخذ بها لأننا نعلم ونوقن في الجملة أن الشريعة قد جاءت بمصالح العباد، ويتضح الفرق حينما نأتي على ضوابط المصالح المرسلة.
قال الشاطبي في الاعتصام 2/ 364 "إن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، ولا كونه قياسًا بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول".
وقال أيضًا 2/ 365 "فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقًا عليه، بل قد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة أقوال فذهب القاضي وطائفة من الأصوليين إلى رده، وأن المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل، وذهب مالك إلى اعتبار ذلك، وبنى الأحكام عليه على الإطلاق، وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذي لم يستند إلى أصل صحيح، لكن بشرط فإنه من معاني الأصول الثابتة هذا ما حكى الإمام الجويني، وذهب الغزالي إلى أن المناسب إن وقع في رتبة التحسين والتزيين لم يعتبر حتى يشهد له أصل معين، وإن وقع في رتبة الضروري فميله إلى قبوله لكن بشرط قال ولا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد" .. وقال "وكذلك القول في الاستحسان فإنه على ما ذهب إليه المتقدمون، راجع إلى الحكم بغير دليل، والنافي له لا يعد الاستحسان سببًا فلا يعتبر في الأحكام البتة فصار كالمصالح المرسلة إذا قيل بردها" ثم ذكر لتقرير هذا عشرة أمثلة عن الصحابة والتابعين.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول 1/ 403 "المصالح المرسلة قد قدمنا الكلام فيها في مباحث القياس وسنذكر هاهنا بعض ما يتعلق بها تتميما للفائدة ولكونها قد ذكرها جماعة من أهل الأصول في مباحث الاستدلال ولهذا سماها بعضهم بالاستدلال والجواب وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم الاستدلال قال الخوارزمي والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق، قال الغزالي هي أن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب عقلا ولا يوجد أصل متفق عليه، وقال ابن برهان هي ما لا تستند إلى اصل كلي ولا جزئي وقد اختلفوا في القول بهذا على مذاهب الأول: منع التمسك بها مطلقا وإليه ذهب الجمهور، الثاني: الجواز مطلقا وهو المحكي عن مالك قال الجويني في البرهان وأفرط في القول بها حتى جرّه إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستندا وقد حكي القول بها عن الشافعي في القول القديم وقد أنكر جماعة من المالكية ما نسب إلى مالك من القول بها ومنهم القرطبي وقال ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها وهو مذهب مالك قال وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل وهذا لا يوجد في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه، قال ابن دقيق العيد الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه احمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما انتهى، قال القرافي هي ثم التحقيق في جميع إذنه لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك الثالث إن كانت ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع أو لأصل جزئي جاز بناء الأحكام عليها وإلا فلا حكاه ابن برهان في الوجيز عن الشافعي وقال إنه الحق المختار، قال إمام الحرمين ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول الرابع إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر والمراد بالضرورية أن تكون من الضروريات الخمس وبالكلية أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة واختار هذا الغزالي والبيضاوي، ومثل الغزالي للمصلحة المستجمعة بمسألة الترس وهي ما إذا تترس الكفار بجماعة من المسلمين وإذا رمينا قتلنا مسلما من دون جريمة منه ولو تركنا الرمي لسلطنا الكفار على المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى الذين تترسوا بهم فحفظ المسلمين بقتل من تترسوا به من المسلمين اقرب إلى مقصود الشرع لأنا نقطع أن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسمه عند الإمكان فحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة على الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له اصل فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية كلية قطعية فخرج بالكلية ما إذا اشرف جماعة في سفينة على الغرق ولو غرق بعضهم لنجوا فلا يجوز تغريق البعض وبالقطعية ما إذا شككنا في