فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 123

قبل الدخول في هذا الباب ينبغي أن نعرف ما هو ضابط المصالح والمفاسد، وهل القول بأن هذه مصلحة وهذه مفسدة هو أمر متاح لكل أحد بلا ضوابط شرعية، فيقوم رجل ويقول إن عمليات الثلاثاء المبارك ليس فيها مصلحة بل إن مفاسدها أعظم من مصالحها، ويأتي آخر ويقول إن إقامة الجهاد في الشيشان أضر بالمسلمين ولم يجن منه المسلمون إلا المفاسد وليس فيه مصلحة، ويأتي آخر ويخترع لنا مصلحة ومفسدة فيضع المصلحة فيما يريد والمفسدة فيما لا يريد، لذا قبل الخوض في المصالح والمفاسد المترتبة على العمليات في حال أن الفاعل لهذه العمليات مسلمون، نقرر معنى المصالح والمفاسد ونحدد الضوابط التي يضبط بها هذا الباب.

لقد اصطلح المتأخرون وأولهم الغزالي اسم المصالح المرسلة، على نوع من أنواع القياس يأتي تفصيله، واصطلح غيره على تسميته الاستدلال والجواب، وهو معمول به عند المتقدمين وإن كانوا لم يصطلحوا على هذه التسمية إلا أنه وارد عندهم ولكن على نطاق أضيق من المتأخرين.

وقولي إنه نوع من أنواع القياس، يبينه أن القياس من أركانه العلة، والعلة لا بد لها من مناسبة، والمناسبة تنقسم إلى أربعة أقسام.

القسم الأول: المناسب المؤثر وهو العلة التي قام النص أو الإجماع على أن عينها هي التي أثرت في عين الحكم كقوله صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) .

القسم الثاني: المناسب الملائم وهو ما قام نص أو إجماع أيضًا على تأثير جنس الوصف في عين الحكم كإدخال الصحابة شارب الخمر مع القاذف في الحكم الواحد وهو الجلد بثمانين جلدة.

وكذلك ما قام نص أو إجماع على تأثير عين الوصف وهو في جنس الحكم.

وكذلك إذا قام الدليل على تأثير جنس الحكم في جنس الوصف كمن فهم من إسقاط الشارع الصلاة عن الحائض أنه من أجل المشقة.

القسم الثالث: المناسب الغريب ومعناه المصلحة التي أهدرها الشارع ولم يرد الأخذ بها، نظرا لأنها تعارض مصلحة أعظم منها، أو تؤدي إلى فساد أعظم منها .. ، ومثل هذه المصالح التي أهدرها الشارع لا يجوز التعليل بها، ولا بناء الأحكام عليها، وهذا القسم اليوم هو أكثر ما ينزع إليه الناس ليبنوا أحكامًا عامة للأمة على مصالح شخصية أو مصالح تهدر أصولًا أعظم منها وسيأتي تفصيله.

القسم الرابع: المناسب المرسل وهي العلة التي تتضمن حكمة ومنفعة شرعية دينية أو دنيوية علمًا بأن الشارع لم يأت بما يلغيها أو يأمر بها .. وهذا القسم هو الذي يسمى المصالح المرسلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت