أولًا: أن تكون ضرورية أي مبنية على الضرورات الست أي تكون مصلحة حقيقية تندرج تحت قاعدة كلية من قواعد التشريع، وتحقق فعلًا مصلحة شرعية لحفظ الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو النسب، أو المال، وترتيب المصالح التي ينبغي أن تراعى يكون أولها الدين وثانيها النفس وهكذا، فأول المصالح التي تراعى مصلحة الدين ومن ثم النفس فالأمر الذي يحقق مصلحة دينية ويحفظ للناس دينهم يعمل به ولو أضر بالأرواح فحفظ الدين أولى، ولتفصيل هذا انظر الموافقات 2/ 29.
ثانيًا: أن تكون كلية أي مصلحتها قائمة لجميع المسلمين أو لأغلبهم في واقعة معينة على الأقل.
ثالثًا: أن تكون قطعية أي لا تكون هذه المصلحة معارضة لنص شرعي أو إجماع أو قياس لأنه لا مصلحة قط في مخالفة أمر الله ونهيه.
رابعًا: أن لا يفضي الأخذ بهذه المصلحة إلى حصول مضرة مساوية لها أو زائدة عنها لأن هذا يكون عبثًا وضررًا، فالمصلحة التي تؤدي إلى مضار مساوية أو زائدة لا شك أنها مصلحة ملغاة.
خامسًا: ألا تكون مفوّتة لمصلحة أعظم منها لأن السياسة الشرعية تقتضي تحصيل أعظم المنفعتين، فلو كنا أمام منفعتين لا سبيل إلا لتحصيل واحدة منهما، وجب أن نأخذ بأعظم المنفعتين وأكبر المصلحتين.
وبهذه الضوابط يتحدد هذا الأصل، وتصبح المصالح المرسلة طريقًا صحيحًا من طرق الحق والعدل، ويسد الباب على ما ينافي الشرع ممن يريد أن يصادم تشريع الله بمصالح موهومة مظنونة لا تحقق إلا الفساد في الأرض.
إذا تبين هذا واتضحت الضوابط التي يبنى عليها القول بالمصالح المرسلة، فإنه يلزم القائل بها ركنًا مهمًا وهو أحد ركني القول بالمصالح المرسلة، وهذا الركن هو الإحاطة بعلم الواقعة وملابساتها وتاريخها، وذلك ليتمكن من معرفة هل هذا العمل تركه أولى أو فعله أولى وهل تركه يحقق مصلحة أعظم أم فعله يحقق مصلحة أعظم، وهل الترك سيمنع المفاسد أم أن المفاسد حاصلة لا محالة، فيكون ترك الفعل لا معنى له، المهم والمؤكد أنه ينبغي على من أراد القول بها أن يعرف الواقع حق المعرفة ليتمكن من الحكم.
وبالنسبة لعمليات الثلاثاء المبارك ضد الولايات المتحدة، لا شك أن الصليبيين اتهموا الأفغان مباشرة قبل أن ينقشع غبار الحطام، ونحن نقول ليس من المؤكد لدينا أن الأفغان هم الذين قاموا بذلك، ولكن لنفترض أن المسلمين هم وراء تلك العمليات، لأن هذه الافتراض هو الذي بنى عليه المنتسبون للعلم فتاواهم المستنكرة، ونحن بصدد بحث مدى شرعية العمليات إن كان من وراءها مسلمون.
وبعد بيان جواز هذه العمليات من حيث الأدلة الشرعية إن كان من وراءها مسلمون، ندخل إلى بحث العمليات من ناحية تقدير المصالح والمفاسد، والعمليات لم يتهم بها حتى الآن إلا الأفغان، فالذي يريد أن يقدر المصالح والمفاسد للعمليات يلزمه أن يعرف وضع المسلمين في أفغانستان والذين طالهم العدوان الأمريكي الغاشم منذ سنوات، فإننا نقول إن الذي في أفغانستان باستطاعته أن يقدر المصالح والمفاسد بنسبة تربو على 80% ومن هو خارج أفغانستان لا يمكن تقدير أكثر من