فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 123

30% لأن الأفغان إن كانوا هم الذين فعلوها حقًا فإن الذي دفعهم لذلك لا شك أنها دوافع قوية اضطرتهم لهذا العمل، وقد طغت تلك الدوافع على كل المفاسد المتوقعة بعد هذا العمل، فكل عاقل يعرف أن أمريكا سترد بكل قوة على هذه العمليات ولا يمكن أن يتصور أن الفاعل إن كان عاقلًا أن يغفل عن حجم وقوة ردة الفعل الأمريكية، لذا قبل أن يحكم المرء على مصلحة هذا العمل أو مفسدته فينبغي له أن يحيط علمًا بواقع الذين ارتكبوا هذه العمليات ويعرف علم الواقع الذي وصلهم فالمباشر للأحداث ليس كمن يتابع عن بعد، فمن المجازفة أن يحكم رجل متكئ على أريكته يبيت آمنًا في سربه معافى في جسده عنده قوته بعيد آلاف الأميال ولا يعرف عن حال إخوانه إلا ما تناقلته وسائل الإعلام المعادية، أقول من المجازفة أن ينبري من حاله كذلك ليحكم بمفسدة عمل قام به كما يزعمون الذين شرد أبناؤهم ولم يذوقوا الراحة ولا الأمن ولا الطمأنينة تتخطفهم الأمراض وتقتلهم المجاعة والجفاف من الحصار ولا يجد أحدهم ما يواري به سوأته أو يسد به جوعته، وأبناءه يتضاغون عنده يقتلهم الجوع أو المرض، إن من حاله كذلك فإن الشهادة بالنسبة له أعظم مصلحة يحققها إذا وفقه الله إليها مؤمنًا صابرًا محتسبًا.

ولذلك يقال مثلًا لا بد أن ينظر المفتي في الواقع جيدًا، ثم ينزل الحكم الشرعي الصحيح على الواقع، فيكون الناظر هنا له نظران:

الأول: النظر في الواقع وتنزيله منزلته الصحيحة الشرعية، مثل: تحقيق المناط في: أمريكا، أي دار تكون في الفقه الإسلامي؟.

الثاني: النظر في الحكم الشرعي المترتب على الواقع هذا، فدار الحرب لها أحكام مخالفة لدار العهد.

فإذا اختل أحد النظرين ظهر الخلل.

فقد ينظر أحد إلى مصالح معينة لأنه عرف الواقع - مثلًا - ولكنه لم يعرف (تنزيل الحكم الشرعي الصحيح عليه لجهله بتحقيق المناط) .

وقد يعرف أحد الحكم الشرعي ولكنه لا يعرف الواقع فيحصل الاختلال من هذا الوجه.

أما إذا صح النظران فإن الحكم يصح، ولا يحتاج النظر بعد ذلك إلى مفاسد ومصالح.

وليتضح المقصود من الكلام الآنف فإني سآتي على ما اعتبره بعض المنتسبين للعلم مفسدة تحرم هذه العمليات إن كان الفاعل مسلمًا، وأوضح وجهة نظر المتهمين فيما أعلمه من واقعهم، علمًا أن الأصل في مثل تلك العمليات الجواز لأنها من الجهاد والإثخان المأمور به شرعًا، فلا يحتاج القائل بجوازها أن يقيم دليلًا على المصلحة الراجحة أبدًا إنما يكفيه أن يقول هذا جهاد أمر الله به في كتابه وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، فإذا أراد أحد منع هذه الأعمال فعليه هو أن يقيم دليلًا قويًا أو مفسدة راجحة تنضبط مع الأصول التي قدمناها ليصار إلى قوله وفقًا لمقاصد الشريعة، فالأصل إذًا هو جواز العمليات بالدليل، والمنع طارئ لا يقبل إلا بضوابط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت