فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 123

"الرد على المفسدة الأولى: تصفية البؤر الجهادية"

المفسدة الأولى: قالوا بأن هذه العمليات يمكن أن تتسبب بسعي جاد لتصفية البؤر الجهادية في العالم خشية أن تفرز مثل هذا العمل، وهذا ربما ينعكس على فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها من المناطق الإسلامية .. الخ.

وهذه المصلحة هي من جنس المصالح الملغاة التي تهمل، وإذا أنزلنا عليها الضوابط السابقة فإننا نجد أنها لا تصلح أن تسمى من المفاسد التي تمنع القيام بهذا العمل، ويرد عليها بما يلي:-

يقال هذه مفسدة لا يمكن أن تحصل أبدًا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين وغيره (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) ، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضًا كما عند أبي داود (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) فلا يمكن أبدًا أن يصفي الكفار الرايات الجهادية ولو اجتمع الإنس والجن جميعًا فإن هذا الدين ماض والجهاد ماض إلى قيام الساعة، فما بين الشرع أنه لن يحصل أبدًا كيف بنا أن نجعله مفسدة تفضي إلى تعطيل الدليل والنكاية بالكفار؟!.

إن الواقع يشهد أن الكفار وأذنابهم لم يألوا جهدًا في تصفية الرايات الجهادية فكلما قامت راية جهاد اجتمعوا جميعًا لإسقاطها بكل ما يملكون، فالعارف بأحوال المجاهدين يعلم علم اليقين أن دول الكفر وعلى رأسها أمريكا وأذنابهم قد بذلوا قصارى جهدهم لضرب رايات الجهاد وقتل واعتقال رموزه، فهذا العمل لن يزيدهم إلا أن يصرحوا بالعداوة بعد أن كانوا يسرون بها، بل إن تصريحهم بالعداوة أيضًا يعد مصلحة حصلت من هذه العمليات، فهم قد استنفدوا وسعهم في القضاء على الجهاد بكل الأساليب ولا يتصور أن عندهم زيادة مهمة على ما قدموا.

وحتى لو قيل إن العالم بعد هذه العمليات سوف يمنع تحريك الأموال والأشخاص إلى ساحات الجهاد، نقول: إن هذا ما عزموا عليه قبل عمليات الثلاثاء، ففي اجتماع للاتحاد الأوربي قبل ثمانية أشهر قدمت فرنسا وروسيا مشروع قرار محاصرة الحركات الجهادية بشكل أكبر، وكان المشروع المقدمة توصياته في مذكرة تبلغ أربعين صفحة، أعدها خبير فرنسي في مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، وتم الاتفاق على البدء بخطوات عملية ودولية لمحاصرة الحركات الجهادية ماليًا وبشريًا، ثم اجتمعت دول (الكومنولث) وطرحت نفس المشروع وقررت أولًا حصار أفغانستان والشيشان بشكل مكثف، فإذا علمنا ما أعلنوه فقط من خطط استطعنا أن نحكم بأن هذه العمليات لن تزيد الوضع سوءً لأن السوء حاصل قبلها، وكذلك نستطيع القول إن الهامش الضيق المعطى للحركات الجهادية قبل العمليات لن يدوم أكثر من شهرين على أحسن الأحوال، فمن نظر إلى الواقع عرف خطأ القول بهذه المفسدة المطروحة.

وإن هذه المفسدة أيضًا تردها السيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم بقتاله للكفار في بدر وأحد وتعرضه لقوافلهم وتجارتهم جمعوا له الأحزاب من كل جانب، وحاصروه حتى وصفهم الله بقوله (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) ، فجاء كفار قريش من فوق المدينة، ونقض اليهود العهد أسفل المدينة، وصرح بالنفاق داخل المدينة حتى قال أحد الصحابة (كان أحدنا لا يأمن أن يذهب لحاجته) !!! وعلى مقياس هذه المصالح يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخطأ وأثار الأحزاب عليه والذين هم أقوى منه عددًا وعدة -وحاشاه - وذلك بالتعرض للكفار وجرهم لحربه في المدينة، فطبيعة الجهاد أنه يثير العدو، وكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم بعدما فتح الجزيرة وهو ضعيف القوة بالنسبة لفارس والروم ورغم ذلك يثيرهم عليه بدعوتهم وإرسال الجيوش لهم كجيش مؤتة وغزوته هو إلى تبوك؟.

وأيضًا إن المفسدة المتقدمة التي زعم القائلون بها أنها مفسدة، إذا أنزلنا عليها الضوابط الخمس التي قدمناها نجد أنها تخالف أهمها فهي ليست مبنية على شيء من الضرورات الخمس يقينًا، وهي أيضًا ليست كلية، وأيضًا غير قطعية بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت