والنتيجة التي حصدتها أمريكا وتمثلت في تلك العمليات المدمرة، إنما هي جزء من ثمار الزرع الأمريكي لكل تلك التوترات والفساد الذي بثته في العالم، فإن كانت تألمت مرة فإن تلك الشعوب تتألم منذ عقود من أفعالها ولا زالت، فلتذق جزاء صنيعها بالشعوب ولتتذكر أن ما حصل لها هو حال ملايين البشر الذين وقعوا ويقعون تحت ظلمها، وما حصل لأمريكا يغيظ أذنابها ويفرح كل عدو لها على اختلاف مللهم.
ولكن مما حز في نفوسنا أن يتعجل كثير من المنتسبين للعلم ويصدروا فتاواهم بالشجب والاستنكار لهذه الأحداث ولمن وراء الأحداث، ويعزّون أمريكا ويواسونها بمصابها بل ويطلبون من المسلمين التبرع لأعداء الله بالدم، وهم الذين أراقوا دماء المسلمين في كل مكان ولا زالوا، وفي اعتقادنا أن أكثر تلك الفتاوى ليست إلا فتاوى سياسية لأنها لم تتسم بأي طابع شرعي تأصيلي، فالله المستعان فقد عشنا حتى رأينا الآية تترك والحديث يهدر نصه ومعناه وينحرف عنه المنتسبون للإسلام من أجل دنيًا فانية سيسلبهم الأمريكيون حلاوتها حتى لو صفوا معهم ودافعوا عنهم.
وإن تعجب من شيء فإنك تعجب من التناقض المنقطع النظير الذي حصل من أصحاب فتاوى الشجب والاستنكار.
فمن صور التناقض أن يسكتوا عن جرائم أمريكا واليهود وعن جرائم غيرهم وحينما تصاب أمريكا ينطق الجميع ويستنكر ضرب أمريكا ويعزّيها، رغم أننا لم نر لهم بيانًا يجرم أمريكا لما فعلته في إخواننا في فلسطين ولم نر لهم بيانًا يجرم أمريكا لما فعلته في الصومال أو العراق أو أندونيسيا أو حصار ليبيا وأفغانستان والسودان وضرب تلك الدول، بل لم يجرموا أمريكا بدعمها العلني للصرب ضد المسلمين في البوسنة أو دعمها للروس ضد المسلمين في الشيشان خلال الحربين التي راح ضحيتها حتى الآن 250 ألف مسلم وشرد أكثر من 600 ألف مسلم سوى الجرحى والمعاقين، فلماذا تحرق أمريكا أرض العراق وتقتل ما يقرب من مليوني مسلم من الحصار والحرب قبلها ولم ينطقوا بشيء، لماذا يصدر قرار مجلس الأمن بالإجماع مرتين لحصار أفغانستان ويذهب ضحية الحصار آلافًا من المسلمين ولم يستنكروا الحصار رغم أن مؤدى الحرب والحصار واحد في إهلاك الحرث والنسل.
ومن صور التناقض أيضًا أن نسمع من بعضهم بالأمس دعوة لمقاطعة البضائع الأمريكية لضربها اقتصاديًا، ولما ضربت أمريكا اقتصاديًا بشكل مباشر دافعوا عنها وعز عليهم ما جرى لأمريكا، ففي الوقت الذي لا يجيزون فيه شراء السلع الأمريكية حتى لا ينتعش اقتصادها، يحرمون ضرب الاقتصاد الأمريكي مباشرة، بل ويدعون المسلمين للتبرع بالدم والمعونة للأمريكيين.
ومن صور التناقض أيضًا أن الذين أجازوا ضرب بغداد وبقية المدن العراقية مع العلم بسقوط عشرات الآلاف من المدنيين أثناء حرب الخليج، هم أنفسهم الذين حرموا ضرب أمريكا بسبب سقوط الأبرياء بزعمهم، فلماذا قتل أبرياء العراق حلال وقتل أبرياء أمريكا حرام؟!.
ومن صور التناقض أيضًا أن الذين استنكروا الضربات ضد أمريكا، كانوا يدعون بكل صوت من على منابرهم وفي الصحف ووسائل الإعلام، اللهم عليك باليهود ومن عاونهم (ويقصدون أمريكا) وبعضهم يدعوا عليها صراحة أن يمزقها الله ويسلط عليها ويدمرها، وعندما استجاب الله دعاءهم، ضجوا مستنكرين ومجرّمين لمن دمر أمريكا، فيا سبحان الله كيف يريدون دمار أمريكا وإذا دمرت قالوا حرام؟ فإذا كان دمار أمريكا حرامًا فأيضًا الدعاء عليها حرام وهو من العدوان والظلم بناءً على فقهكم! وأيضًا مقاطعتها اقتصاديًا حرام وعدوان بناءً على ذات الفقه!.