فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 123

وهناك إيراد وجيه: فرب قائل يقول إن ما أوردتم من جواز قتل المعصومين من الكفار في بعض الحالات كلام حسن، إلا أنه يوجد مسألة مهمة وهي أن هناك عددا من المسلمين راح ضحية تدمير مركز التجارة العالمي، فكيف جاز قتل المسلمين الذين في مركز التجارة العالمي، رغم أنكم لا تجيزون قتل الترس من المسلمين إلا حال الضرورة ولا ضرورة لذلك؟.

ونجيب عن هذا من سبعة أوجه:-

أولًا: إن عدد المسلمين في مركز التجارة العالمي لم يعرف حتى الآن، بل لم يتأكد وجودهم من عدمه وإذا كانت لم تنتشل حتى الآن أكثر من ثلاثمائة جثة فكيف لهم بإثبات موت عدد من المسلمين، وإذا ثبت أن هناك عددا من المسلمين فنقول.

ثانيًا: إننا لا نعلم من الفاعل الذي قام بالعمليات، فإذا كان مسلمًا فلا بد أن نعرف ما هي المبررات التي دفعته لمثل ذلك الفعل، هل هي ضرورة أم حاجة؟، فإن كانت ضرورة وقدّرها بقدرها جاز له الفعل مع احتمال هلاك مسلمين، وإن كانت حاجة فهي خاضعة لأمر آخر وهو الوجه الثالث.

ثالثًا: إن من المؤكد لدى الجميع بأنه لا يوجد في مركز التجارة العالمي إلا شركات كافرة، وإن غلبة الظن قائمة بأن هذه الشركات لا توظف إلا كفارًا، كما أن هذه الأبراج تقع في منطقة تعد أكبر منطقة يتجمع فيها اللوبي الصهيوني والجالية اليهودية، فالحكم على غلبة الظن في هذه الحالة جائز.

رابعًا: حتى ومع التأكد من وجود المسلمين فإن الشافعي يرى أن الكف عن الكفار في بلاد الحرب خشية قتل المسلمين الذين اختلطوا معهم يرى أنه على الندب لا على الوجوب وأجاب عن قول الله تعالى (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ .. الآية) أجاب في الأم 4/ 244 بقوله "وإن كان في الدار - أي دار الحرب - أسارى من المسلمين، أو تجارٌ مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق، والتغريق وما أشبهه، غير محرم له تحريمًا بينًا، وذلك أن الدار إن كانت مباحة فلا يبين أن تحرم بأن يكون فيها مسلمُ يحرم دمه، وإنما كرهت ذلك احتياطًا، لأن مباحًا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها وإن قاتلناها بغير ما يعم من التحريق، والتغريق".

وقال الإمام الجصاص من الأحناف في أحكام القرآن 5/ 275 معززًا هذا الرأي "وأما احتجاج من يحتج بقوله (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ .. الآية) ، في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين، فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم، لأنه كان فيهم قوم مسلمون، لم يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم، وذلك إنما تدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم، فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين، لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضًا إباحة الإقدام على وجه التخيير فإذًا لا دلالة فيها على حظر الإقدام".

خامسًا: ثم إن من أجرى عموم هذه الآية ومنع الإضرار بدار الحرب لوجود مسلمين فيها، فإن قوله هذا يقتضي منع الحرب ضد أية دولة حربية في زماننا، لأنه اليوم لا توجد دولة من دول الكفر والحرب إلا وفيها عدد ليس بالقليل من المسلمين، والحروب في هذا الزمن تضر كل السكان إما بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا منعنا الإضرار بهم بأية طريقة فقد أفضى ذلك إلى تعطيل الجهاد ضد دول الكفر والحرب بحجة وجود مسلمين فيها، إلا أنه لا يجوز التغافل عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت