الإضرار بالمسلمين وذلك في البلاد التي يكون الأغلبية العظمى من سكانها مسلمون، فالإضرار بهم من غير ضرورة كضرورة التترس غير سائغة، أما قتل مسلم أو عشرة في دار حرب كل أهلها كفار محاربون فإن كلام الشافعي والجصاص السابق يرد عليه والله أعلم.
سادسًا: ولو قدر أن منفذ عمليات الثلاثاء المبارك مسلم ولا ضرورة له بهذا الفعل، فإن غاية ما عليه إذا ثبت وجود للمسلمين من ضمن الضحايا على أشد الأحكام عليه، أن يدفع نصف دية المقتولين بناءً على فتوى النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتل مسلمي خثعم عندما اختلطوا بالكفار، ولم يكفر من قتلهم ولم يعنفه ولم يقتص منه ولم يدع عليه ولم يتبرأ من فعله كما تبرأ من فعل خالد رضي الله عنه عندما قتل من أسلموا من بني جذيمة فدفع النبي صلى الله عليه وسلم ديتهم كاملة وقال (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) .
ولماذا يلام من أراد أن يفعل المأمور بقتل وترويع أهل الحرب واستباحة ديارهم؟ ولا يلام من خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بين ظهراني المشركين؟ فأصبح من قام بأمر الله مجرمًا، ومن تبرأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنًا يجب المحافظة على دمه وأمنه، وهذا لا يعني أننا نكفر من أقام بين ظهراني المشركين وإن كان ظاهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي ذلك، إلا أننا نقول هم مسلمون وغاية ما يدفعه من قتلهم نصف ديتهم، وهذا يتضح بما يأتي.
روى الترمذي في سننه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم (فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قالوا يا رسول الله ولم؟ قال (لا ترايا ناراهما) .
وروى أيضًا عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم) .
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي 5/ 189 قوله: (فاعتصم ناس بالسجود) أي ناس من المسلمين الساكنين في الكفار، سجدوا باعتماد أن جيش الإسلام يتركوننا عن القتل حيث يروننا ساجدين، لأن الصلاة علامة الإيمان (فأمر لهم بنصف العقل) أي بنصف الدية، قال في فتح الودود: لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته (بين أظهر المشركين) أي بينهم، ولفظ أظهر مقحم (لا تراءى ناراهما) من الترائي تفاعل من الرؤية، يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا، تراءى الشيء أي ظهر حتى رأيته، والأصل في تراءى تتراءى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وإسناد الترائي إلى النار مجاز من قولهم داري تنظر من دار فلان أي تقابلها، قال في النهاية أي يلزم المسلم ويجب أن يتباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للمشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين، هو حث على الهجرة، قال الخطابي في معناه ثلاثة وجوه: قيل: معناه لا يستوي حكمهما، وقيل: معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارا كان منهم حيث يراها، وقيل: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله. قوله: (وفي الباب عن سمرة) أخرجه أبو داود عنه مرفوعا: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله، وذكره الترمذي بنحوه، ولم يذكر سنده. وحديث جرير المذكور في الباب أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه ورجال إسناده ثقات، ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني أيضا موصولا كذا في النيل". قلت وصححه الألباني في الأدب المفرد.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله في حاشيته على عون المعبود 7/ 218 "قال بعض أهل العلم: إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه