فهرس الكتاب
وجناية غيره، وهذا حسن جدا، والذي يظهر من معنى الحديث: أن النار هي شعار القوم عند النزول وعلامتهم، وهي تدعو إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم. فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران، وهذا شأنهما؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله، المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة. وقد روى النسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال (قلت يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه - أن لا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ لا أعقل شيئا إلا علمني الله ورسوله. وإني أسألك بوجه الله: بم بعثك ربنا إلينا؟ قال: بالإسلام. قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة. كل المسلم على المسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك بعد ما يسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين) . وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تتركوا الذرية إزاء العدو) .
قال العظيم آبادي في عون المعبود 7/ 218 " (إلى خثعم) : قبيلة (فأمر لهم بنصف العقل) : أي بنصف الدية. قال في فتح الودود: لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة، فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته (بين أظهر المشركين) : أي بينهم ولفظ أظهر مقحم (لا ترايا ناراهما) : كذا كتب في بعض النسخ وفي بعضها لا تراءى. قال في النهاية: أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يتباعد منزله عن منزل المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للمشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين، وهو حث على الهجرة، قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وذكر أبو داود أن جماعة رووه مرسلًا. وأخرجه الترمذي أيضا مرسلًا وقال وهذا أصح، وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل يعني ابن أبي خالد لم يذكروا فيه جرير أو ذكر عن البخاري أنه قال الصحيح مرسل ولم يخرجه النسائي إلا مرسلًا والله أعلم".
سابعًا: إن من يعمل بمركز التجارة العالمي هو يعمل بالتأكيد في أهم مركز اقتصادي لدولة حربية، فيمكن للمسلمين أن يعاملوه على أنه معين للكفار ويأخذ نفس الحكم الدنيوي لهم وليس الأخروي، والدليل ما جاء في الصحيحين وغيرهما أن عائشة رضي الله عنها قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه فقلنا يا رسول الله صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله فقال (العجب إن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فقلنا يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس قال نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم) وفي رواية البخاري قالت قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال (يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم) زاد الترمذي في حديث صفية (ولم ينج أوسطهم) وفي لفظ لمسلم من حديث حفصة (فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم) .
قال ابن حجر في الفتح تعلقًا على هذا الحديث "يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده، قال المهلب: في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم. قال واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب".
وقد استدل ابن تيمية في الفتاوى الكبرى وتلميذه ابن القيم بهذا الحديث لقتال الطائفة الممتنعة بشوكة حتى ولو كان في صفوفهم مسلمون، قال يهلكون مهلكًا واحدًا ويبعثون مصادر شتى.
فالمسلمون الذين عملوا في مركز التجارة العالمي بالإمكان اعتبارهم في حكم من يعين على الحرب حكمًا دنيويًا، وبالإمكان اعتبار ما حصل لهم عقوبة على تكثير سواد الكفار ونفعهم والله أعلم.