فهرس الكتاب
ومن الأدلة التي يحتج بها المظاهرون للكفار ويستدلون بها على أن المظاهرة ليست كفر مخرج من الملة قصة حاطب في الصحيحين عندما بعث رسالة إلى مشركي مكة يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ولما وقعت رسالته بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا حاطب ما هذا؟) قال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش يقول كنت حليفا ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما إنه قد صدقكم) فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال (إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) إلى قوله (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) .
فهذه القصة وهي أقوى حججهم ليس فيها دليل على عدم كفر المظاهر، وقد أطال علماء الدعوة النجدية في الرد على ذلك ولست بصدد عرض أقوالهم، ولكن أقول:
أولًا: هذه القصة دليل على عدم كفر المتأول لأن حاطبًا تأول جواز ذلك وفعله، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حقه وفي حق أهل بدر ما قال دليلًا على أن هذه المعركة كفرت عنه الكفر الذي ارتكبه بالتأويل علمًا أن التأويل من موانع التكفير عند أهل السنة والجماعة، وقد أخطأ من قال إن معركة بدر تكفر عن أصحابها الكفر، بل إنها مكفرة للتأويل الفاسد الذي ارتكبه حاطب رضي الله عنه.
وثانيًا: لو تنازلنا معهم فإن أشهر الأقوال لأهل العلم في مثل هذه القصة أنهم قالوا إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله قد اطلع على أهل بدر .. ) دليل على خصوصية أهل بدر بذلك وليست لأحد بعدهم.
قال الشوكاني في نيل الأوطار 8/ 154 "قوله (وما يدريك لعل الله .. الخ) هذه بشارة عظيمة لأهل بدر رضوان الله عليهم لم تقع لغيرهم.
وقيل إن صيغة الأمر في قوله اعملوا للتشريف والتكريم فالمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السالفة وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت أي كل ما عملتموه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور".
ثالثًا: قالوا إن عذر حاطب في عدم كفره بالمظاهرة جاء بوحي من الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما اعتذر له حاطب رضي الله عنه قال (أما إنه قد صدقكم) فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي عذره وليس ذلك لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: قال العلماء إن عذر حاطب أيضًا في عدم كفره يظهر من رسالته التي بعث بها للمشركين فكانت أشبه بالدعوة لهم وتخويفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم والفت في قواهم، ذكر يحيى بن سلام في تفسيره أن لفظ كتاب حاطب للمشركين كان بقوله "أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام".